الصفحة 25 من 38

وعرفها الشيخ خلاف بأنها: «تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح، ودفع المضار، مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية، وإن لم يتفق وأقوال الأمة المجتهدين» .

وبعبارة أخرى فالسياسة الشرعية: هي ما يصدر عن ولي الأمر من أنظمة وقوانين تنظم حياة المجتمع، بناء على ما تقتضيه المصلحة العامة، بما لا يخالف المبادئ الإسلامية العامة.

وبعد هذا فإنَّا إذا استعرضنا فعل بعض فقهاء الصحابة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم - أنهم فعلوا أشياء لم يفعلها رسول الله - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ - أو خالفوا - في الظاهر - ما كان عليه العمل في عصر النبوة، أو لم يعملوا بما عمل به رسول الله - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ - ومن ذلك:

1 -توفي رسول الله - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ - ولم يستخلف، مع وجود الداعي إلى الاستخلاف؛ لأن الخلافة أمر مهمٌ، وضروريٌ للمجتمع، فالظاهر أن تركه للاستخلاف تشريعٌ، فكان الحكم الظاهر المتبادر ألا يستخلف أبو بكر اقتداء بسنة النبي - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ - التركية، لكنه - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - استخلف عمر [1] ، ثم جاء عمر - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - فجعل الخلافة في ستة نفر من الصحابة [2] ، فكان فعله - في ظاهره - مخالف لترك

(1) لما مرض أبو بكر ـ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ـ مرض الوفاة، قال للصحابة: «إني قد نزل بي ما ترون ولا أظنني إلا لمأتي - يأتيني الموت - فأمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمَّرْتُم عليكم في حياةٍ مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي» . فتشاوروا بينهم ثم جاؤوه طالبين منه أن يرشح لهم واحدًا، فسألهم: فلعلكم تختلفون؟ قالوا: لا. قال: فعليكم عهد الله على الرضا؟ قالوا: نعم. قال: فأمهلوني أنظر لله ولدينه ولعباده. ثم أرسل إلى عثمان بن عفان فاستشاره، فأشار عليه بعمر بن الخطاب، فأمره أن يكتب له عهدا. وهو من مرسل الحسن البصري. د. أكرم ضياء العمري، عصر الخلافة الراشدة (ص:55) .

(2) عن عمرو بن ميمون، قال متحدثا عن مقتل عمر: ( ... فقالوا: أوصِ يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط، الذين توفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ - وهو عنهم راض، فسمى: عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا، وعبد الرحمن [بن عوف] ، وقال: يشهدكم عبد الله ابن عمر، وليس له من الأمر شيء - كهيئة التعزية له - ... فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن [بن عوف] : اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. فقال عبد الرحمن [بن عوف] : = = أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، والله عليه والإسلام، لينظرن أفضلَهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان [علي، وعثمان] فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلِيَّ، والله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما [علي] فقال: لك قرابة من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ - والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمَّرتُك لتعدلَنِّ، ولئن أمَّرتُ عثمان لتسمعَنَّ ولتطيعَنَّ، ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه) . أخرجه البخاري (ح:3700) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت