رسول الله - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ - تحريًا للمصلحة، وإعمالًا للسياسة الشرعية.
كما أننا إذا استعرضنا أقوال بعض الفقهاء نجد أنهم أفتوا بفتاوى فيها تقييد للمباح؛ لأن المجتمع أساء استغلاله، أو اقتضت المصلحة تقييده بحكم تغير الزمن.
يقول الشيخ الزرقاء - رحمه الله، عَزَّ وَجَلَّ: «والاجتهاد الإسلامي قد أقر لولي الأمر العام من خليفة أو سواه أن يحد من شمول بعض الأحكام الشرعية وتطبيقها، أو يأمر بالعمل بقول ضعيف مرجوح إذا اقتضت المصلحة الزمنية ذلك، فيصبح هو الراجح الذي يجب العمل به، وبذلك صرح فقهاؤنا، وفقا لقاعدة (المصالح المرسلة) ، وقاعدة (تبدل الأحكام بتبدل الزمان) . ونصوص الفقهاء في مختلف الأبواب تفيد أن السلطان إذا أمر بأمر في موضوع اجتهادي - أي: قابل للاجتهاد، غير مصادم للنصوص القطعية في الشريعة - كان أمره واجب الاحترام والتنفيذ شرعا، فلو منع بعض العقود لمصلحة طارئة واجبة الرعاية، وقد كانت تلك العقود جائزة نافذة شرعا، فإنها تصبح بمقتضى منعه باطلة، وموقوفة على حسب الأمر» .
ثم قال: «جاء في كتاب الوقف من [الدر المختار] وحاشيته [رد المحتار[1] ]نقلا عن معروضات المولى أبي السعود - وهو مفتي المملكة العثمانية، ثم قاضي القسطنطينية في عهد السلطانين: سليمان وسليم، ومن كبار رجال المذهب الحنفي المتأخرين، المعول على فتاويهم وترجيحاتهم -أنه: صدر الأمر السلطاني بعدم نفاذ وقف المدين في القدر الذي يتوقف تسديد الدين من أمواله، قطعا لما يلجأ إليه بعض الناس من وقف أموالهم؛ لتهريبها من وجه الدائنين. وبناء على الأمر صرح الفقهاء من بعده بعدم نفاذ مثل هذا الوقف من المدين، ولو كان دينا محيطا بجميع
(1) انظر: (3/ 398) منهما.