المطلب الثاني
الفرق بين المفقود والغائب
لقد تم بيان المقصود بالمفقود من خلال ذكر تعريفاته السابقة، ولكي تتضح أوجه الشبه والفرق بينه وبين الغائب لا بد من تبيين مراد العلماء بالغائب وأنواعه ومن ثمّ تتّضح العلاقة بينهما.
ولكي يتجلى الأمر كاملًا أقدم معنى الغائب لغة، فالغيب لغةً: الشك وجمعه غياب وغيوب. والغائب كل ما ستر عن العيون وإن كان محصلًا في القلوب [1] .
ولم يبعد المعنى الاصطلاحي لدى عموم الفقهاء عن المعني اللغوي فاعتمدوه وقاموا بتقسيم الغيبة إلى نوعين: غيبة ارتجاع وغيبة انقطاع.
أما الأولى فهي الغيبة القريبة التي لم تنقطع فيها أخبار الغائب كالخارج في تجارة أو حاجة أو ما شابه من غير استيطان ولا استقرار. وتنقسم هذه الغيبة إلى قسمين: قريبة وبعيدة والحد الفاصل بينهما لدى كثير من الفقهاء هو مسافة القصر في الصلاة [2] .
أما غيبة الانقطاع فهي البعيدة التي يسافر فيها صاحبها إلى مواطنَ بعيدةٍ مثل الذين يخرجون لفتح بلاد نائية ويستقرون فيها.
وقد تعدد آراء الفقهاء في تحديد ما يعتبر به الغيبة بعيدة، ففي المذهب الحنفي- كما في «البدائع» وغيره- روايتان عن أبي يوسف: في رواية قال: ما بين بغداد والري، وفي الأخرى: مسيرة شهر فصاعدًا وما دونه ليس بغيبة منقطعة.
وعن محمد روايتان أيضا، روي عنه ما بين الكوفة إلى الري، وروي عنه من الرقة إلى البصرة.
وذكر ابن شجاع إذا كان غائبًا في موضع لا تصل إليه القوافل والرسل في
(1) لسان العرب: 1/ 654، القاموس المحيط 1/ 116، تحفة الفقهاء:2/ 151.
(2) مواهب الجليل: 3/ 435، الوسيط في المذهب: 5/ 75، كشاف القناع: 5/ 55.