المطلب الثالث
الغيبة الطويلة وأثرها على النكاح
ومما يستحسن التطرق إليه - وإن لم يندرج تحت عنوان بحثنا مباشرة- مسألة الفسخ لغيبة الزوج وآراء الفقهاء فيها، فالذي سبق بحثه هو حال فقد الزوج وعدم معرفة شيء عن أحواله. فما هو شأن النكاح في حال غيبة الزوج الطويلة عن زوجته مع علمها بمقامه وأحواله؟ هل يحق لها طلب الفسخ لمجرد غيبته أم لا؟ وهل ثمة ضرر معتبر يجب إزالته أو يُغض الطرف عنه ليسره؟ إجابة عنها نقول وبالله التوفيق:
للفقهاء الأجلاء في المسألة قولان رئيسان [1] :
القول الأول: عدم جواز الفسخ بسبب الغيبة وإن كانت طويلة و سواء كان بعذر أو بغير عذر ولو حصل بها ضرر ما على الزوجة.
وهذا ما ما ذهب إليه الحنفية والشافعية والظاهرية، لأنهم لم يجيزوا التفريق لامرأة المفقود الذي ليس يُعلم عنه شيءٌ ففي هذا الغائب من باب أولى. إذن فكما هو واضح لم يفرقوا بين المفقود والغائب في هذه المسألة إلا ما كان من الشافعية بأن أجازوا الفسخ بعدم النفقة لزوجة الغائب دون المفقود.
ودليل هذا الفريق من العلماء في هذا أنه لم يرد نص من كتاب أو سنة بجواز التفريق للغيبة فيشرع.
القول الثاني: يجوز طلب الزوجة التفريق إذا طالت غيبته بحيث تضررت بإقامته بعيدًا عنها مع صعوبة محافظتها لعفتها، وفوات مصالح النكاح المتوخاة منه. فإن هذا ضرر بالغ يجب إزالته والقاعدة الفقهية تقول: «الضرر يزال» و «لا
(1) تجدر الإشارة هاهنا إلى أن هذه المسألة متفرعة عن مسألة استدامة الوطء هل هو حق للزوجة كما للزوج أم لا؟ فمن أوجبه هناك حكم بحق التفرقة هنا والعكس بالعكس.
انظر: رد المحتار على الدر المختار 3/ 591، مغني المحتاج: 3/ 442، حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح المحلى 4/ 51.