ذهب الحنفية كما هو معروف عنهم إلى أن «المفقود حي في حق نفسه ميت في حق غيره» ، ومعنى هذه العبارة أنه في شأن الحقوق التي له على غيره فقط يعتبر حيًا فيجرى أحكام الأحياء عليه بينما في سواها يعتبر ميتًا، ولذا لا تبين امرأته ولا تقسم تركته.
ومستندهم في هذا الحكم العام على القاعدة الأصولية المعروفة باستصحاب الحال إلا أنهم- كما هو معلوم في أصولهم - اعتبروها صالحة في الدفع لا في الاستحقاق، وفي إبقاء ما كان على ما كان لا في إثبات جديد لم يكن، ولذا كما لم يورثوا ماله للآخرين لم يورثوه أيضًا مال الآخرين؛ لأن في هذا الحال انتقالًا من إبقاء الحكم السابق إلى إثبات حكم جديد والاستصحاب غير صالح له [1] .
فإذا كان الأمر كذلك فإلى متى ينتظر ظهوره؟ وهل يؤقت بمدة؟
ظاهر الرواية في المذهب أنه يؤقت بموت أقرانه، بينما في رواية الحسن بن زياد عنه يقدر بمائة وعشرين سنة من مولده.
وعند أبي يوسف يقدر بمائة سنة، وهو مختار حافظ الدين النسفي صاحب كنز الدقائق.
وقدر بعض المتأخرين بتسعين، واعتبر بعضهم أن الأقيس أن لا يقدر بشيء، بينما الأرفق أن يقدر بستين سنة، واختار الكمال بن الهمام أن يقدر بسبعين سنة للحديث: «أعمار أمتي بين الستين والسبعين» [2] [3] . هذا ومن الجدير بالذكر أن رأي بعضهم أن يفوض الأمر إلى القاضي فمتى رأى المصلحة حكم بموته وهذا ما اختاره ابن نجيم في شرحه «البحر الرائق» نسوق عبارته هنا كاملة لما فيها من
(1) انظر: شرح التلويح على التوضيح: 2/ 213، التقرير والتحبير:3/ 387، الأشباه والنظائر لابن نجيم: 1/ 71
(2) أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الزهد، باب الأمل والأجل، رقم: 4236، والترميذي في سننه، كتاب الدعوات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - رقم: 3550، و قال عنه: حسن غريب، والحاكم في المستدرك، تفسيرسورة الملائكة، رقم: 3598، وقال عنه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(3) انظر: المبسوط: 11/ 35، بدائع الصنائع: 5/ 289، فتح القدير: 6/ 140، البناية في شرح الهداية: 6/ 818.