معهم في عقدهم، وانضاف إليه قوم آخرون فدخلوا إليه في عقده صار حكم من حارب من دخل معه في عقده من الكفار حكم من حاربه، وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بغزو نصارى الشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم فأمدوهم بالمال والسلاح وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد. اهـ [1]
* وإذا أسر أحد هؤلاء المجاهدين أو أصيب فإن الجماعة تنفق عليه بقدر وسعها وطاقتها، ولا يكلفها أحد غير ذلك كأن تقترض مثلا للإنفاق عليه، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، فإن كان هناك مال موقوف على عمل بعينه وأصيب من يعمل في هذا العمل ـ سواء أكان مباشرا للعمل أو ردءا (معينا) عليه ـ فإنه ينفق عليه من هذا المال حتى ترتفع حاجته وعياله، وذلك بقدر المستطاع والمتاح، لأن الجماعة قد صارت حينئذ بمنزلة العاقلة لهذا المجاهد يعود إليها ما غنمه حسب التقسيم الشرعي للغنيمة وتضمن ما أخطأ فيه وما أصابه من شيء، وعلى هذا مضت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم
ومن الأدلة على صحة ذلك:
ـ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فقال: أخرج إلى هؤلاء القوم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج حتى جاءهم ومعه مال فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم حتى ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا معه بقية من المال فقال لهم علي عليه السلام حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يود إليكم؟ قالوا: لا قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون، ففعل ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال: أصبت وأحسنت [2] ، فقد ضمن بيت المال ما أتلفه أحد أمراء الجهاد، وفي التعليق على هذا الحديث قال ابن كثير رحمه الله: وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال [3]
* ومثل الحديث السابق في الدلالة ما ورد عن جرير بن عبد الله البجلي قال: بعث رسول الله سرية إلى خثعم، فاعتصموا بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي فأمر لهم بنصف العقل، وقال (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله لم؟ قال:(لا تراءى ناراهما) [4]
ـ ويجوز الاتفاق بين الجماعة وأفرادها على الإنفاق عليه حال الضرورة الملجئة لذلك من إصابة أو أسر ونحوه بقدر الاستطاعة والوسع والقدرة، إذا لم يكن له سبيل من غيرهم، ولا تلام هذه الجماعة على ما كان
(1) زاد المعاد بتحقيق شعيب وعبد القادر الأرنؤط، ج 3/ 136: 138.
(2) حديث بني جذيمة روى أصله البخاري والنسائي وابن حبان والبيهقي وراجع في أداء الدية من بيت المال: تفسير ابن كثير ج1/ 563، تاريخ الطبري ج2/ 164، سيرة ابن هشام ج5/ 65.
(3) تفسير ابن كثير ج1/ 536
(4) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والييهقي والطبراني وقد صحح قوم وقفه.