بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لتمام الأحكام التي ذكرناها في موضوع الهجرة نعرض باختصار [1] لتعريف الديار ومتى تصير الدار دار إسلام ومتى تصير دار كفر أو حرب، لأنه لابد أولا من معرفة معنى الدارين ـ دار الإسلام ودار الكفر ـ لتعرف الأحكام التي تختلف باختلافهما، ومعرفة ذلك مبنية على معرفة ما تصير الدار به دار إسلام أو دار كفر، فنقول وبالله تعالى نتأيد ونستعين:
* إن حكم الدار يبنى على الشريعة الظاهرة فيها والحكم الغالب والمهيمن عليها، والأصل في اعتبار هذه الأحكام هو حكم مكة والمدينة بعد هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من الأولى إلى الثانية، فإن كانت شريعة الإسلام وأحكامه هي الظاهرة المهيمنة على الدار، وكان أهل الإسلام والتوحيد فيها هم الأعلون بعلو شريعتهم وأحكامهم، فهذه الدار دار إسلام وإن كان من سكانها من ليسوا مسلمين، فإن المدينة المنورة بعد أن هاجر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صارت دار إسلام لعلوا شرائع الإسلام وأحكامه فيها، ومن المعلوم أنه كان من سكان المدينة حينئذ كثير من اليهود والمشركين ونفر من النصارى، ولم يمنع ذلك من كونها دار إسلام يجب على المسلمين الهجرة إليها من مكة التي كانت دار كفر لعلو أحكام الكفر فيها وظهور المشركين عليها مع أنها أحب بقاع الأرض إلى كل مسلم، ولم يمنع من تسميتها بذلك وجود بعض المؤمنين من المستضعفين فيها، وهذا أمر متواتر معلوم من الشريعة وهو مذهب جمهور العلماء.
* وقد ذكر بعض الناس أن تسمية الدار بهذه الأسماء ـ دار الكفر ودار الإسلام ـ محدثة لم تكن على عهد الأوائل، وهذا ليس بصحيح، إذ إن تسمية دار الكفر وإطلاقها على مكة قبل الفتح قد ورد على لسان جارية سوداء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك فيما رواه البخاري في باب نوم المرأة في المسجد، وابن خزيمة في باب الرخصة في ضرب الخباء واتخاذ بيوت القصب للنساء في المسجد، وابن حبان في باب ذكر إباحة الأخبية للنساء في المسجد عن عائشة:أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم، فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور فوضعته
(1) ذكرت هنا مختصرا لما يعتبر به حكم الدار من أقوال الفقهاء المعروفين ولم أذكر أقوال المذاهب من المعتزلة والخوارج والرافضة وغيرهم إيثارا للاختصار إذ المقصود هنا تحقيق الخلاف المعتبر في هذه المسألة مع ذكر الراجح، ولم أذكر أيضا كثيرا من المسائل والأحكام والفروع التي تنبني على حكم الدار وأقوال الفقهاء فيها لأن هذا ليس مقصودا هاهنا ولعلنا نذكر بعضا من هذه الأحكام في أبواب أخرى من هذا الكتاب أو في رسالة مستقلة إن شاء الله تعالى.