الصفحة 22 من 143

أو وقع منها، فمرت به حدياة وهو ملقى فحسبته لحما فخطفته فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قبلها، قالت الوليدة: والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته فوقع بينهم، فقلت: هذا الذي اتهمتموني به زعمتم وأنا منه بريئة وهو ذا هو، فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت.

قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش، فكانت تأتيني فتحدث عندي، فلا تجلس عندي مجلسا إلا قالت: ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني، قالت عائشة فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مقعدا إلا قلت هذا فحدثتني بهذا الحديث [1] ، فقد سمتها الأمة بلدة الكفر عند عائشة رضي الله عنها ولا شك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اطلع على ما قالت وأقره.

وقد ذكر أبو بكر الإسماعيلي عن أئمة الحديث أنهم يعتبرون ظهور الأحكام هو الحاكم على الدار بكونها دار إسلام أو لا حيث قال رحمه الله: ويرون ـ أي أئمة الحديث ـ الدار دار الإسلام لا دار الكفر كما رأته المعتزلة ما دام النداء بالصلاة والإقامة ظاهرين وأهلها ممكنين منها آمنين. اهـ [2]

وقال ابن القيم رحمه الله: قال الجمهور: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام، وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جدا ولم تصر دار إسلام بفتح مكة وكذلك الساحل. اهـ [3]

وقد اعتبر ابن تيمية رحمه الله إن إقامة التوحيد هو الحد الفاصل بين دار الكفر ودار الإسلام حيث قال: فأما التوحيد فهو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد هذا هو التوحيد الظاهر الجلي الذي نفى الشرك الأعظم وعليه نصبت القبلة وبه وجبت الذمة وبه حقنت الدماء والأموال وانفصلت دار الإسلام من دار الكفر. اهـ [4]

وقد ورد في اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يقول: الدار إذا ظهر فيها القول بخلق القرآن والقدر وما يجري مجرى ذلك فهي دار كفر. اهـ [5]

وقال ابن حزم رحمه الله: وإذا كان أهل الذمة في مدائنهم لا يماذجهم غيرهم فلا يسمى الساكن فيهم لإمارة عليهم أو لتجارة بينهم كافرا ولا مسيئا بل هو مسلم محسن، ودارهم دار إسلام لا دار شركن لأن الدار إنما تنسب للغالب

(1) ) ) رواه البخاري في صحيحه كتاب المناقب باب أيام الجاهلية، راجع صفوة الصفوة ج2/75.

(2) راجع اعتقاد أئمة الحديث لأبي بكر الإسماعيلي ج1/76.

(3) أحكام أهل الذمة لابن القيم ج2/728.

(4) راجع منهاج السنة النبوية ج5/343، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ج1/138، مدارج السالكين ج3/486.

(5) راجع اعتقاد الإمام المبجل ابن حنبل ج1/305.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت