الصفحة 23 من 143

عليها والحاكم فيها والمالك لها. اهـ [1]

هذا وليس للدار حكما ثابتا لا يتغير أبدا، بل إن الحكم عليها بحسب الغالب والظاهر فيها مثل أحوال العباد، فمن كان مؤمنا تقيا فهو من أولياء الله تعالى المتقين فإن تغير حاله تغير حكمه، وكذلك الديار فإن غلب عليها أهل التوحيد والإيمان وأقاموا فيها أحكام الإسلام وشرائعه فهي دار إسلام، وإن تغير حالها باستيلاء أهل الكفر والشرك عليها وظهور كفرهم وشركهم عليها فهي دار كفر أو حرب بحسب ذلك وهذا هو موجب نصوص القرآن والسنة والله اعلم.

وفي بيان هذا المعنى قال ابن تيمية رحمه الله: ثم من هذه الأمكنة ما سكنه بعد ذلك الكفار وأهل البدع والفجور ومنها ما خرب وصار غير هذه الأمكنة، والبقاع تتغير أحكامها بتغير أحوال أهلها، فقد تكون البقعة دار كفر إذا كان أهلها كفارا ثم تصير دار إسلام إذا أسلم أهلها، كما كانت مكة شرفها الله في أول الأمر دار كفر وحرب، وقال الله تعالى فيها (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك) [2] ، ثم لما فتحها النبي - صلى الله عليه وسلم - صارت دار إسلام وهى في نفسها أم القرى وأحب الأرض إلى الله.

وكذلك الأرض المقدسة كان فيها الجبارون الذين ذكرهم الله تعالى كما قال تعالى (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذا جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وأنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فأنا داخلون) [3] الآيات، وقال تعالى لما أنجى موسى وقومه من الغرق (سأريكم دار الفاسقين) [4] ، وكانت تلك الديار ديار الفاسقين لما كان يسكنها إذ ذاك الفاسقون ثم لما سكنها الصالحون صارت دار الصالحين.

وهذا أصل يجب أن يعرف، فإن البلد قد تحمد أو تذم في بعض الأوقات لحال أهله ثم يتغير حال أهله فيتغير الحكم فيهم، إذا المدح والذم والثواب والعقاب إنما يترتب على الإيمان والعمل الصالح أو على ضد ذلك من الكفر والفسوق والعصيان، قال الله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) [5] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس بنو آدم وآدم من تراب) [6] ، وكتب

(1) راجع المحلى لابن حزم ج11/200.

(2) سورة محمد، الآية: 13.

(3) سورة المائدة، الآيات: 20: 22.

(4) سورة الأعراف، الآية: 145.

(5) سورة النساء، الآية: 1.

(6) رواه بهذا اللفظ أحمد وابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال حدثني من سمع خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وسط أيام التشريق فقال (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد إلا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى أبلغت؟) قالوا: بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال (أي يوم هذا؟) قالوا: يوم حرام ثم قال (أي شهر هذا؟) قالوا: شهر حرام، ثم قال - صلى الله عليه وسلم - (أي بلد هذا؟) قالوا: بلد حرام قال - صلى الله عليه وسلم - (فإن الله قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم ـ ولا أدرى قال أو أعراضكم أم لا ـ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا أبلغت؟) قالوا: بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (ليبلغ الشاهد الغائب) قال الهيثمي: رجاله ثقات، وعن أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له (انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى) رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن بكر بن عبد الله المزني لم يسمع من أبي ذر، وعن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن ربكم واحد وأباكم واحد فلا فضل لعربي على أعجمي ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى) رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه إلا أنه قال (إن أباكم واحد وإن دينكم واحد أبوكم آدم وآدم خلق من تراب) ورجال البزار رجال الصحيح (راجع مجمع الزوائد ج8/84) وقد ورد في هذا المعنى بألفاظ أخر أحاديث في الصحيحين والسنن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت