بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرنا في مبحث السابق قول أهل السنة والمرجئة والخوارج في تعريف الإيمان ومنه يتبين أن من الفرق من قال إن الإيمان شيء واحد لا يتفاضل في نفسه ولا يفاضل أهله فيه، وهذا خطأ واضح لا شك فيه.
قال الله تبارك وتعالى (لا يستوي المؤمنون غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) [1] ، فقد نفى الله تعالى التسوية بين المجاهدين من أهل الإيمان وبين القاعدين منهم وبَيَّن الله تعالى أنه فضل المجاهدين على القاعدين بدرجات عظيمة، وهذا من أبين الأدلة على تفاضل أهل الإيمان بسبب تفاضلهم في الطاعة.
وقال تعالى (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) [2] ، وقال تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) [3] إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى. ...
ففي الآيات السابقة فضَّل الله تبارك وتعالى وفرق بين أصناف من المؤمنين، فقد فضل سبحانه وتعالى المجاهدين في سبيله على الذين قعدوا بغير عذر ولم يخرجوا للجهاد، مع أن كلا الفريقين مؤمن موعود بالجنة، وهذا واضح في قوله تعالى (وكلا وعد الله الحسنى) .
وكذلك فإن الله تعالى لم يسوى بين من أنفق من قبل الفتح، وحين كان أهل الإسلام في ضعف وشدة وضيق، وبين من أنفق بعد أن فتح الله على المسلمين، مع أن كلا الفريقين منفق محسن، غير أن الله تعالى ميز الأولين عمن أنفق بعدهم، وكذلك فقد نفى الله التسوية بين من كان عالما بأمر الله
(1) سورة النساء، الآية: 95.
(2) سورة الحديد، الآية: 10.
(3) سورة الزمر، الآية: 9.