وقد قال الله تعالى في بيان شاف كاف (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) [1] ، وهذا خطاب للرسول ولإخوانه الرسل من قلبه وأنهم إن وقعوا في الشرك ـ وحاشاهم ذلك ـ فإن أعمالهم كلها حابطة ضائعة لا قيمة لها ـ ولا يحبط العمل بالكلية إلا الكفر أو الشرك الأكبر ـ فالآية دليل لا دافع له على أنه إن اجتمع الكفر والإيمان في العبد فإن الإيمان يحبط ويبطل.
ولذلك فقد قال تبارك وتعالى (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) [2] ، ومثله قوله تعالى (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين) [3] إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن المكلف إذا وقع في الكفر أو الشرك الأكبر فقد خرج من الملة وحبط عمله كله.
ولذلك أهدر الله سبحانه وتعالى أعمال الكفار الذين يأتون بها يوم القيامة وجعلها هباء منثورا مع أنها أعمال صحيحة من حيث الظاهر، ولو لم تكن صحيحة ما كانت معتبرة حيث قال تبارك وتعالى (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) [4] ، وقال تعالى (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء) [5] ، فقد أحبط الله أعمالهم لما أتوه من الكفر الأكبر ولم يقبلها منهم.
فالكفر المقصود في كلام شيخ الإسلام وغيره هو الكفر الأصغر دون الأكبر، وإلا فإن الكفر الأكبر موجب للخلود الأبدي ومحبط للأعمال كلها، فلا يصح حمل كلام العلماء على غير محمله أو وضعه في غير موضعه الذي يليق به والله تعالى أعلم.
(1) سورة الزمر، الآية: 65.
(2) سورة الأنعام، الآية: 88.
(3) سورة المائدة، الآية: 55.
(4) سورة الفرقان، الآية: 23.
(5) سورة إبراهيم، الآية: 18.