الصفحة 15 من 61

حسناته.

بمقابل في آيات أُخر تدل على أن من حكمة الله -تبارك وتعالى- من تنزيل هذا الكتاب هي أن يُتدبَّر؛ يقول الله -تبارك وتعالى-: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} ، ويقول الله -عز وجل-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} ، ويقول الله -تبارك وتعالى-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} ؛ وبالتالي الأداة التي يستطيع الإنسان أن يتوثَّق بها من صحة هذا النص القرآني أن يُتدبَّر؛ فيُنظر هل ثمة اختلاف داخلي في هذا القرآن؟ هل ثمة اختلاف بين القرآن والحقائق القطعية الموجودة في الخارج؟ فإن انتفت هذه وتلك فإنه يدل صدقًا على أنه من عند الله -تبارك وتعالى-.

بل تدبر القرآن يعطي الإنسان إطلالة على منسوب قلبه الإيماني وإدراك وضع قلبه، كما يقول الله -تبارك تعالى-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} ، وبالتالي فأنت حين تريد أن تدرك موضع قلبك في مجال الإيمان ففتِّش عن تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى- في حياتك.

وأحد التمثيلات الجميلة التي ساقها الإمام ابن القيم كحل لهذه القضية في (مفتاح دار السعادة) ، يقول:"مثل الإنسان الذي يتكثَّر من تلاوة كتاب ربه -تبارك وتعالى- دون أن يتدبَّره كمثل رجل تصدق بدنانير كثيرة، ومثل الذي من قلَّل قراءته متدبرًا كمثل من تصدق بجوهرة عظيمة، فقد تكون الجوهرة العظيمة تربو على الدنانير الكثيرة، وقد تربو الدنانير الكثيرة على تلك الجوهرة المتصدَّق؛ بها بحسب طبيعة ونمط ذلك التدبر".

فهذه أحد المخارج، وحقيقة أظن أن الجدل الطويل حول هذه الحقيقة لا يفيد كثيرًا؛ لأنه لا تعارض حقيقة بينهما، فأعتقد أنه بإمكان المسلم أن يجمع بين التكثُّر من تلاوة كتاب ربه -تبارك وتعالى- بحيث تتعزَّز هذه العلاقة مع القرآن الكريم، مع مراعاة أن يكون للإنسان حظ في تدبر كتاب ربه -تبارك وتعالى-.

من العبارات العجيبة التي ذكرها الإمام الوزير ابن هُبيرة -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، وذكرها الإمام ابن رجب في (ذيل طبقات الحنابلة) ، وهي تأخذ في سدّ أحد منافذ الشيطان على المسلم حين يريد ممارسة هذه العبودية، وتأملوا في دقة المتقدّمين في استِرواح طبيعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت