فبعض العلماء تعدَّدت جواباتهم، وبعض الجوابات لطيفة، لكنها لا تبدو أنها هي المكافئة للمقصود، وبعضها إجابات تبدو أقرب للتعبير عن حقيقة ما جرى.
فبعض الإجابات اللطيفة والتي تدل فعلًا على أنه حصل جزء من الغرض بهذه القضية أن الله -عز وجل- قصد بذلك الإيناس؛ أن هناك حدثًا عظيمًا بمخاطبة الله -عز وجل- لعبد موسى -عليه الصلاة والسلام-، فأحب الرب أن يُؤنس عبده فيأخذه في قضية جانبية -كما يقال-، فقال: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} ، فتلقَّى موسى ذلك الإيناس الرباني وقال: {هِيَ عَصَايَ} ، ما هو الجواب المفترض من موسى -عليه الصلاة والسلام-؟ أن يقول: (هي عصا) ، حتى قوله: (هي عصاي) فيه قدر زائد لأنه لم يُسأل عمَّن هو مالك تلك العصا.
فقال: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى} ، فتخيلوا هذا المقام العجيب لهذا الرجل الذي يخاطب الله -عز وجل- فأحب أن يطوّل هذا الكلام والمخاطبة وما أحب أن ينتهي الموضوع سريعًا، هذا أحد الأوجه.
لكن الوجه الذي أعتقد أنه الأقرب لمكاشفة المقصود؛ أن الله -عز وجل- يريد أن يُقرِّر عبد موسى -عليه الصلاة والسلام- بأن التي في يده هي عصا، كما يقال: بكامل قواه العقلية، لماذا؟ لأنه بعد قليل سيقول له الله -تبارك وتعالى-: ألقِها، فإذا ألقاها ستتحول إلى ثعبان.
فالآن تخيلوا لو أن الله -عز وجل- قال له: ألقِها، فألقاها فتحوَّلت لثعبان أو حية، قد يتسرَّب إلى وهمه أن التي كانت في يده ابتداءً حية، ولكن الآن يسأله ما في يدك؟ فينظر إليها ويقول هي عصا، فيكشف الله -تبارك وتعالى- له عن كمال قدرته فيأمره أن يلقيها فتتحوَّل إلى حية، فيدرك عظيم قدرة الله -تبارك وتعالى-.