الصفحة 25 من 61

وعجزه أن يعرف عظمة هذا الكلام، فيريد أن يستكشف عبر أداة السؤال ما هو المعنى العظيم الذي جعله -عز وجل- في هذا النص.

وبالمناسبة هذه الممارسة موجودة عند السلف الصالح، سواء في زمن النبوة أو بعده، وخذ من الأمثلة الآيات المستشكِلة التي مارسها سلفنا الكرام، الإمام التابعي الجليل عروة بن الزبير -رضي الله تعالى عنه- يحاور خالته أم المؤمنين عائشة، فيقول لها مُستشكِلًا قول الله تعالى -وهو فعلًا يفرض إشكالًا-: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} ، ما وجه الاستشكال في هذه الآية؟

ما حكم السعي بين الصفا والمروة؟ إما أنه واجب أو ركن، وإذا تخفَّفنا نقول أنه مستحب. ما مدلول الآية القرآنية على حكم السعي بين الصفا والمروة؟ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ؛ قد يتوهَّم الإنسان أنه مباح، بل قد يتوهَّم أن تركه أولى؛ لأنه يقول: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} كأنه يقول: المفترض ألَّا تسعى بين الصفا والمروة ولكن إن عزمت على السَّعي بين الصفا والمروة فلا جناح عليك. ممكن أن يتوَّهم إنسان هذا التوهم.

فعروة بن الزبير توهَّم هذا التوهم -رضي الله عنه وأرضاه-، قال:"ما أظن بمن ترك السعي بين الصفا والمروة بأسًا"، ولاحظوا أنه لم يبتدِر مواجهة الناس والفُتيا به، بل واضح أنه كان يستشكل هذا المعنى، فبسبب سطوة المنهج الفقهي الموجود لم يستطع أن يستخرج هذه القضية فأفضى بهذا الاستشكال إلى عائشة -رضي الله عنها-، قالت العالمة الصِّديقة بنت الصّديق:"بئسما قلت يا ابن أخي"؛ فالاستشكال وجيه لكن الاستنباط غير وجيه.

تحكي عائشة قصة نزول هذه الآية أن الأنصار في جاهليتهم كانوا يعظّمون صنمين: إيساف ونائلة، إيساف موجود على الصفا ونائلة موجود على المروة، فكان سعيهم بين الصفا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت