الله -عز وجل- لم يقل: (أفمن يقي وجهه العذاب بيده) ولم يقل: (أفمن يتقي العذاب بيده) مثلًا، بل قال: {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، فوقع في نفسي معنى لهذه الآية، ولكن أحببت أن أتوثق منه، وبحمد الله من نعم الله -عز وجل- أن كتب التفسير موفَّرة حتى داخل هذه الأجهزة، عندي (الموسوعة الشاملة الكتبية) ومن ضمنها تفسير (التحرير والتنوير) للطاهر بن عاشور [1] ، وأظنه من التفاسير التي يتفاخر بها أهل القرن الحالي، ففتحت التفسير ووقفت على كلام عذب جميل للطاهر بن عاشور، ومؤثر إيمانيًا، خلاصته: أن هذا العبد الكافر في النار لو كان عنده وقاية من النار لاتَّقى العذاب بتلك الوقاية، فلما لم يجد تلك الوقاية اضطر أن يتَّقي العذاب بوجهه.
لما يستحضر الإنسان هذا المعنى سيدرك الآن أحد صور العذاب المرعبة الموجودة في النص القرآني والتي تحمل الإنسان على الانكفاء عن الذنوب والمعاصي استحضارًا لهذا المشهد الرهيب المهيب.
مثلًا حين يقول الله -عز وجل-: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} ، أو مثلًا يقول: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} ، المفروض في لغتنا الدَّارجة أن يقول: (يشرب منها) ، ويقول: (سأل سائل عن عذاب واقع) ، فالتركيب غريب {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} ، فبمجرَّد أن يصادف الإنسان مثل هذا التركيب الغريب المفروض أن يدور بنفسه: ما معنى هذا؟ لماذا اختار الله -عز وجل- أن يعبّر بهذا؟ هل هو تعبير كان يستخدم سابقًا؟ أم أن هناك أمرًا آخر؟
لما ترجع لكتب التفسير ستجد أن أحد الحقائق التي تحدَّث عنها علماء التفسير أن حروف الجر لما تتناوب يتم تضمين حرف الجر المُظهَر معنى كلامٍ مُضمَر؛ الله -عز وجل- ليس من غرضه أن يبيّن للعباد في الدنيا أن موضع إنعامه وإكرامه لأهل الجنة أن يجعلهم يشربون من عين، هذه القضية ليس فيها شيء كثير، لكن الله يريد أن يبيّن لعباده أنهم يشربون منها
(1) تفسير (التحرير والتنوير) على (المكتبة الشاملة) : http://shamela.ws/browse.php/book-9776/page-2