فيرتوون بها، فلما يقول الله -عز وجل-: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} المقصود بهذا الكلام الكشف عن معنى الشرب والارتواء، يشربون منها فيروَوْن بها.
لما يقول الله -عز وجل-: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} ، الآن من هو هذا السائل؟ من الذي طرح هذا السؤال؟ كفار قريش، طيب طرح كفار قريش هذا السؤال على النبي - صلى الله عليه وسلم - هل سؤال الجاد المستفسر المستعلم الذي يريد لأن يعرف تفاصيل هذا العذاب الواقع؟ لا؛ سؤالهم كان على سبيل السخرية والاستهزاء والتكذيب، ولذا الله -عز وجل- يريد تبيين هذا المعنى، كأنه يقول: (سأل سائل مكذّبًا بعذاب واقع) ، فلاحظوا كيف أن حرف الجر يبيّن جزءًا من عظمة النص القرآني.
وكل إنسان استحضر هذه الأداة يجد أن الميزة التي تتشكَّل مع الوقت أن يتعمّق تدقيقه فيما يتعلَّق بالنص القرآني، خذ مثالًا في قول الله -عز وجل- في حق الوالدين: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} ، ما هو وجه الإشكال الذي يُفترض أن يسأل عنه المرء؟
المفترض أن الله -عز وجل- حين ينهى عباده عن قولهم: (أف) للوالدين، فنحن نفهم أن ما هو أسوأ منها لا يصح بحق الوالدين، يعني لو قال الله -عز وجل- مثلًا: (فلا تقل لهما أف ولا تضربهما) تحس فعلًا أن هناك إشكال، في حين لو قال قائل: (لا تضرب والديك ولا تنهرهما ولا تقل لهما أف) هذا التسلسل يُعتبر تسلسلًا منطقيًا، فالمفترض حين يقرأ الإنسان: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} أن يقول العبد: يا رب إذا حرّمت علينا (أف) فنعرف أنه يحرُم علينا النَّهْر، فلماذا عقَّبت بهذا التعقيب؟
فلو ترجع لكتب التفسير تجد أقوالًا متعددة، وإحدى اللفتات الجميلة التي ذكرها صاحب (تسهيل علوم التنزيل) ، قال:"لا تقل لهما أف لمصلحتك ولا تنهرهما لمصلحتهما"، يكون مثلًا الوالد أو الوالدة كبيرًا في السنة، تحتاج أن تذهب بهما للمستشفى أو لمصلحتهما وليس لمصلحتك، ومع ذلك يتضجَّر الوالدان ولا يريدان الذهاب للمستشفى،