فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 761

قال امرء القيس:

صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل1

فإن قال قائل فيما بعد: إن جميع ما قدمته يدل على أن تصريف"ع ج م"في كلامهم موضوع للإبهام، وخلاف الإيضاح، وأنت إذا قلت: أعجمت الكتاب، فإنما معناه أوضحته وبينته، فقد ترى هذا الفصل مخالفا لجميع ما ذكرته، فمن أين لك الجمع بينه وبين ما قدمته؟ 2

فالجواب: أن قولهم أعجمت وزنه أفعلت، وأفعلت هذه وإن كانت في غالب أمرها إنما تأتي للإثبات والإيجاب، نحو: أكرمت زيدا، أي أوجبت له الكرامة، وأحسنت إليه، أثبت الإحسان إليه، وكذلك أعطيته وأدنيته وأسعدته وأنقذته، فقد أوجبت جميع هذه الأشياء له -فقد تأتي أفعلت أيضا يراد بها السلب والنفي، وذلك نحو: أشكيت زيدا: إذا زلت3 له عما يشكوه.

أنشدنا أبو علي قال: أنشد أبو زيد:

تمد بالأعناق أو تلويها ... وتشتكي لو أننا نشكيها4

أي لو أننا نزول لها عما تشكوه.

1 الصمم: انسداد الأذن، وثقل السمع، والفعل منه"صم"بالإدغام. اللسان"4/ 2500".

والصدى: ما يرجع عليك من صوت الجبل، وإسناد الصمم إلى الصدى لتخيل أن الصدى يسمع المتكلم فيجيب، فإذا لم يجب فكأن به صمما. اللسان"4/ 2422".

واستعجمت الدار: سكتت، ولذلك عداه يعن، والمراد أن هذه الدار لم تجب السائل عما يسأل، وذهبت آثارها التي تدل على أصحابها. مادة"ع. ج. م"اللسان"4/ 2828".

2 فمن أين لك الجمع بينه وبين ما قدمته؟: أسلوب استفهام يفيد التشوق والتقرير.

3 زلت: تنحيت له عما يشكوه. اللسان"3/ 1856". مادة"ز. ل. ل".

4 نشكيها: ننزع لها عن شكايتها وعتابها. مادة"ش. ك. أ". اللسان"4/ 2314".

والراجز هنا يصف أبلا قد أتعبها السير فهي تلوي أعناقها تارة، وتمدها أخرى، وتشتكي إلينا، فلا ننزع لها عن شكايتها.

شكواها: ما غلبها من سوء الحال والهزال، وهذا يقوم مقام كلامها.

وبين"تمد، تلويها"طباق يبرز المعنى بالتضاد ويزيده وضوحا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت