الصفحة 179 من 369

2 ـ الطبيعة الانكماشية لبرنامج التثبيت والتقويم الهيكلي التي فرضت على أغلب البلدان المتخلفة ـ في إطار تدبير الأزمة ـ من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومن ورائهما مجموع الدائنين ابتداء من سنوات السبعينيات، وقد كان من بين النتائج المباشرة لذلك: التراجع الحاد في مستوى التشغيل سواء في القطاع العمومي أو الخاص، وحركة تحول جذري في طبيعة الشكل الإنتاجي المسيطر الذي تقوده الدولة، وقد تمثل ذلك التحول في تغيّر الوزن النسبي للإدارة العمومية والقطاع العام والاستثمار العمومي، لصالح القطاع الخاص الوطني والأجنبي المرتكز إلى قواعد الربح وآليات السوق، والذي بدأت سيطرته تتوسع إلى سائر التشكيلات الاجتماعية الأخرى إنتاجا وتشغيلا منذ بداية الثمانينيات من القرن العشرين [1] .

(1) ـ نقرأ من خلال تجارب مؤسستي الصندوق والبنك العالميين مع كثير من البلدان المتخلفة وفي جميع القارات ما يمكن إيجازه في الآتي ذكره: أن المؤسستين تمنح تلك البلدان قروضا هامة في إطار برامج التعديل الهيكلي، ولكن ضمن شروط: تخفيض دعم المواد الأساسية والتعليم والصحة خوصصة أو تصفية المؤسسات الوطنية تحرير التجارة بإنهاء تعريفات الحماية؛ إنهاء القيود المرتبطة بتمليك الأجانب لرأس المال والأراضي؛ تخفيض قيمة العملة المحلية؛ تنمية الصادرات تعديل المنظومة القانونية، وقد أدت تلك الإجراءات عبر العديد من البلدان بالقارات المختلفة إلى اضطرابات اجتماعية وحالات للطوارئ السياسية وأحداث مأسوية، مما جسِّد رفضا لتلك السياسات ويعبِّر في رأينا عن عدم جدواها؛ ويمكن أن نستعرض من بين أمثلة تلك الاضطرابات والأحداث ما يلي:

في سنة 1985 وقعت الأحداث في كل من بوليفيا وجامايكا وزائير التي سقط فيها العديد مواجهة لرفضهم تعديل نظام التعليم، سنة 1986في نيجيريا، 1987 أحداث في كل من زامبيا وسيراليون، وفي سنة 1988 في كل من غانا والجزائر التي سقط خلال أحداثها أكثر من 200 شخص تعبيرا عن رفضهم للاحتقار والبطالة ورفع الأسعار، وتجمع في برلين أكثر من000 20 متظاهر رفضا لاجتماع للمؤسستين؛ 1989 في بينين والأردن وفنزويلا؛ 1990 أحداث في المغرب سقوط 33 متظاهر يطالبون برفع الحد الأدنى للأجر وإيقاف العمل بإجراءات التعديل الهيكلي التي شرع فيها منذ1983 ؛1991في نيجيريا ،وفنزويلا سنة1992 ، وفي روسيا سنة 1993 وعندما رفض البرلمانيون المصادقة على برنامج التعديل الهيكلي قصفهم الرئيس"إلتسين"بالدبابات الذي منيت حكومته بالفشل في الانتخابات الموالية لتلك الأحداث والتي فازت فيها بالأغلبية الأحزاب المناهضة لتلك البرامج ؛ وهكذا توالت الاضطرابات على امتداد سنوات التسعينيات في كل من المكسيك والغابون وكوريا الجنوبية وتايلندا وزيمبابوي ورومانيا وحتى ألمانيا؛ وشهدت بداية الألفية الجديدة بداية للانتفاضات الشعبية من الإكوادور التي غزا فيها الأهالي والفلاحين خلال جانفي العاصمة واستولوا على السلطة سلميا لبعض الساعات رفضا لتطبيق توصيات صندوق النقد الدولي التي أدت إلى انهيار مالي وتوالت الأحداث بعدها في بلدان عديدة من بوليفيا والصين وإفريقيا الجنوبية وحتى إلى اندونيسيا، فهل يمكن أن نتساءل عن إمكانية تحقيق التنمية ضمن هذا المحيط العالمي المضطرب، والمحلي الذي لا يتمتع بالسيادة والاستقرار؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت