لقد شكل التحليل الكينزي [1] ظهور قطيعة مع مرحلة سيطرت خلالها الأفكار الليبرالية التي تقول بأن آليات الأسعار تعمل على توجيه الموارد الإنتاجية للأمة، بحيث تستخدم وفقا لأكثر مثلوية ممكنة، وأن التنمية هي تغيرات تتم فجأة حيثما تسمح الهياكل بأكبر قدر من المبادرة الفردية؛ هذه المبادرة الفردية التي لا تتعارض عند"كينز"مع الدور الحاسم الذي تلعبه الدولة لتحقيق الاستخدام الكامل، من خلال التركيز على الاستثمار، فتنتعش المؤسسات ويتحقق الازدهار الاقتصادي.
لذلك فإن"كينز"رأى في الدولة عاملا اقتصاديا لا يمكن التغاضي عنه، إذ بإمكانها الاستثمار حيث يقل الحافز والتفاؤل لدى الأفراد، كما أنها تحصل على دخل وتقوم بالإنفاق وتمارس الادخار والاستثمار، ومن ثم فإنه عليها مواجهة مشكل البطالة وقلة الطلب ولذلك لابد أن تستعمل الوسائل والتدابير اللازمة للزيادة من الإنفاق حتى يزيد الطلب الفعال ويرتفع مستوى الاستخدام . [2]
(1) ـ نسبة إلى"جون ماينر كينزJohn Maynard Keynes (1883-1946) إبن أخد صغار الفلاحين من أتباع المدرسة التقليدية، وهو جون نيفل كينز، درس الاقتصاد في جامعة كمبردج على يد أستاذه مارشال، ثم حقق أمله في التدريس، اهتم كثيرا بدراسة نظرية النقود، ترأس وفد بلاده في المؤتمر المالي والنقدي للأمم المتحدة الذي انعقد في 01/07/1944، وحضره ممثلو 44 دولة في"بريتون وودز"والذي أسفر عن اتفاقيتين دوليتين، اختصتا بإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير.أحدث كينز ثورة في الدراسات الاقتصادية عندما أصدر كتابه الشهير"النظرية العامة للعمالة والفائدة والنقود"سنة1936."
(2) ـ حول مجموعة التدابير التي تمارسها الدولة على المستوى الوطني والتي تتعلق بالسياسة النقدية والاستثمار العام وإعادة توزيع الدخول، راجع: عادل أحمد حشيش:تاريخ الفكر الاقتصادي، دار النهضة العربية ـ بيروت 1974، ص 583 ـ 592.