ومن المؤكد أن العولمة تتجه إلى تقييد السيادة الوطنية في بعض المجالات وتضع حدودا على قدرة الحكومات على إتباع سياسات اقتصادية وتجارية ومالية، لذلك كان من الضروري أن تكون الاقتصاديات الوطنية مؤهلة لتعظيم مزايا العولمة وعوائدها الإيجابية وتقليل آثارها السلبية أو تفاديها كلما أمكن حيث أن ذلك يتعلق بصافي أثر العولمة الاقتصادية على اقتصاديات البلدان المتخلفة إيجابا أو سلبا.
إن العولمة بالمفهوم المعاصر (الأمركة) [1] ليست مجرد سيطرة وهيمنة وتحكم بالسياسة والاقتصاد فحسب، ولكنها أبعد من ذلك بكثير، فهي تمتد لتطال ثقافات الشعوب والهوية القومية والوطنية، وترمي إلى تعميم أنموذج من السلوك وأنماط أو منظومات من القيم وطرق العيش والتدبير، وهي بالتالي تحمل ثقافة (غربية أمريكية) تغزو بها ثقافات مجتمعات أخرى، ولا يخلو ذلك من توجه استعماري جديد يتركز على احتلال العقل والتفكير وإخضاعه ليعمل تبعا لأهداف المسيطرين ومتقبلا منطقهم ومصالحهم؛ وقد أكد ذلك الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش"الأب"حين قال، بعد انتهاء حرب الخليج الثانية: (إن القرن القادم سيشهد انتشار القيم الأمريكية وأنماط العيش والسلوك الأمريكي) .
وبالتالي فإنه لا مكان للدول المتخلفة عموما والعربية خاصة ... في (العولمة) إلا في الاتجاه السالب أي تأثيرها عليها وتأثرها بها، ومع ذلك فنحن بهذا المعنى معولمون منذ زمن بعيد، اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا.
المطلب الثاني
آثار سياسات تحرير التجارة
(1) ـ إن أول من أطلق هذا المصطلح هو الرئيس الأمريكي الأسبق"فرانكلين روزفلت"، عندما قال في أعقاب الحرب العالمية الثانية:"إن قدرنا ...هو أمركة العالم، تكلموا بهدوء، واحملوا عصا غليظة، وعندئذ يمكن أن تتوغلوا بعيدا". (عن: د.محمود خالد المسافر: العولمة الاقتصادية، ع. س، بالهامش 2، ص141) .