نتيجة لذلك ينادى أنصار الحرية الاقتصادية بحتمية التخلي عن التخطيط، وهي مناداة تعكس النظر إلى التخطيط من خلال المفهوم التقليدي للتخطيط المركزي، وهو منظور خاطئ يتناسى المفهوم العلمي والدقيق للتخطيط باعتباره رسما لصورة المستقبل في ظل فروض عملية ممكنة التحقيق، فلا يمكن أن يكون مفهوم التخطيط المركزي مبَرّرًا لرفض الضرورات العملية للتخطيط كمفهوم علمي حياتي، لأن رفض فكرة التخطيط في حد ذاتها تكون بمثابة السعي لتغييب الدولة وهي دعوة للعشوائية والارتجالية والفردية، وهي بذلك تكون العدو الأول للحرية الاقتصادية؛ فقد أثبتت التجارب أن التخطيط ليس قاصرا على نظام اقتصادي دون آخر، فالهند تعدّ دولة ديمقراطية لا تختلف نظمها وأوضاعها البرلمانية كثيرا عن مثيلاتها في الدول الغربية، ونظامها الاقتصادي في أغلبه يرتكز على النشاط الخاص، استطاعت عن طريق الأخذ بنظام التخطيط الشامل بعد حصولها على استقلالها السياسي أن تحقق نتائج باهرة، وخاصة في القضاء على البطالة وزيادة الإنتاج الزراعي والنهوض بالصناعة [1] .
المطلب الثاني
المفاضلة بين السوق والتخطيط
(1) ـ حول تجربة الهند في التنمية والتخطيط، راجع الدراسة الهامة للدكتور: رمزي زكي: نموذج التنمية الهندي بين تناقضات النمو الرأسمالي وطموحات الاستقلال الاقتصادي والاعتماد على الذات، في التنمية المستقلة في الوطن العربي، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى يناير1987، كذلك طالع: كامل بكرى، التنمية الاقتصادية، ع.س، ص204 وما بعدها.