ولكن بمجرد أن بدأت بوادر العجز في ميزان المدفوعات واحتمالات تخفيض قيمة الجنيه المصري، لجأ هذا النوع من الاستثمار الأجنبي إلى الانسحاب من السوق ابتداء من سنة1998، وبمعدلات تفوق تدفقاته، مما ساهم في زيادة حدة الأزمة التي تعرض لها سعر صرف الجنيه المصري على مرّ السنوات المتوالية، وانخفاض احتياطي البنك المركزي، مصاحبا لانسحاب الاستثمار الأجنبي غير المباشر.
تعتبر عوامل الثقة والموضوعية والصدق، من أهم الضمانات لنجاح السياسات الاقتصادية في أي بلد، وتزداد أهمية هذه العناصر في النظم الاقتصادية القائمة على اقتصاديات السوق والتي يؤدي فيها القطاع الخاص الدور الرئيسي، وعلى نحو أكثر ضرورة ووضوحا، إذا ما قورن هذا بالنظم الاقتصادية القائمة على التخطيط المركزي الآمر والتي يؤدي فيها القطاع العام الدور الرئيسي، وذلك لما يتسم به القطاع الخاص عموما من حساسية تدعوه إلى الحرص على توافر الحقائق بموضوعية وصدق، وتجعله لا يتخذ قرارا اقتصاديا خاصة في مجال الاستثمار والتصرف فيما يملكه من نقد أجنبي، إلا إذا توافرت لديه المعلومات الكافية وشعر بالاطمئنان إلى ما يتخذ من قرارات اقتصادية وتأكد من شفافيتها واستقرارها.
وبالرجوع إلى واقع ممارسات أغلب البلدان المتخلفة، منذ بداية التحولات والتوجه نحو اقتصاديات السوق وتشجيع القطاع الخاص، فإننا نلاحظ أن ذلك التحول لم يصاحبه إجراءات لزيادة درجة الموضوعية والصدق فيما يتخذ من سياسات، وغالبا ما يعتمد في تحقيق أهداف الاقتصاد على أدوات السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية وأنه مازال هناك خلط بين الأسلوب المركزي والأسلوب التأشيري وأن الغلبة في معظم تلك البلدان مازالت للأسلوب الأول، وقد يكون ذلك هو الدافع في فرض الشفافية والمساءلة من قبل المنظمات الدولية على البلدان المتخلفة.