لقد استنتجنا من خلال الدراسة أن انهيار تجربة التخطيط المركزي في المجتمعات الاشتراكية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي سابقا، وما يبدو من إخفاقات حول تجارب التخطيط في بعض الدول المتخلفة والمنطقة العربية أيضا (مصر والجزائر مثلا) ، قد اوجد ظلالا من الشك لا مبرر لها حول جدوى التخطيط عموما وحول دور الدولة الاقتصادي أيضا؛ وعلى الرغم من حالات النجاح الاقتصادي العديدة التي يشار إليها في كثير من اقتصاديات السوق في اليابان وجنوب وشرق آسيا على سبيل المثال (الهند ، كوريا الجنوبية) إلا أن هذه الاقتصاديات لم تكن بمنأى عن دور فعال للدولة ومؤسساتها في توفير البنية والأنظمة والتشريعات لتحقيق النمو المطرد، وتمت تلك النجاحات في ظل تخطيط اقتصادي يراعي عوامل السوق وتداخله.
إن الاعتقاد السائد بان التخطيط الشامل لا يصلح إلا في الدول الاشتراكية فقط، وأنه في الدول الديمقراطية حيث تتعدد الأحزاب والشركات الرأسمالية والقطاع الخاص ويسود مناخ الحرية الاقتصادية قد يفشل التخطيط في تحقيق الأهداف القومية؛ هو اعتقاد خاطئ، إذ أن هذه الدول أخذت في جميع مراحل تطورها وخلال كل أوقاتها ـ سلما وحربا ـ بالتخطيط ، فليس هناك اليوم دولة رأسمالية متقدمة تسير اقتصاديتها بدون خطة وطنية شاملة يساهم فيها القطاع العام بنصيب كبير في الاستثمار والإنتاج؛ ذلك أن التخطيط واقعا وعلما وضرورة تأخذ به الدول المتقدمة والمتخلفة وبدونه تتحول عملية التنمية إلى عمل عشوائي وعمل الدولة إلى ردود أفعال.