وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:"فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه فيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادهما، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطليها يقدح في مباشرة التوكل نفسه، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل، فإن تركها عجز ينافى التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للأمر، والحكمة، والشرع؛ فلا يجعل عجزه توكلًا، ولا توكله عجزًا" (1) .
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله في شرحه لحديث ابن عباس:
إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلًا على الله، كالاسترقاء والاكتواء، فتركهم لها ليس لكونها سببًا، ولكن لكونها سببًا مكروهًا؛ لاسيمًا المريض يتشبث بما يظنه سببًا لشفائه بخيط العنكبوت. أما مباشرة الأسباب نفسها، والتداوي على وجه لا كراهية فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعًا، كما في الصحيح عن أبى هريرة مرفوعًا،"ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له شفاء" (2) .
(1) انظر تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (111) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ح (5678) وأحمد في مسنده (1/377) .