من هنا أدرك العلماء الصادقون عظمة خلق الله وتيقنوا من عجزهم حين اقتربوا أكثر من معرفة بعض أسرار المادة التي أودعها الله في خلقه، ولا عجب أن يكون أكثر الناس قربًا إلى الله أوسعهم علمًا، فالإنسان الذي أتبع علمه تأمله تجده قريبًا لخالقه ملتصقًا بتعاليمه (( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ).
ولقد عرفنا نحن الأطباء قدرة الخالق وعظمته حين وجدنا أنفسنا مدبرين عند اقترابنا، بعيدين حين وصولنا، فكأنما العلم أبحر لا ينتهي واحد إلا ويكون الذي يليه أوسع منه وأعمق، وحين زاد جهلنا في ذروة علمنا، أدركنا أن لا مناص من التمسك بعلم الله والنظر بعيدًا فوق المادة لعلنا ننجح في فهم بعض ما غاب عن بني الإنسان قرونًا طويلة، فيوم أن حسب الإنسان أنه قادر على الإمساك بأسرار المعرفة وحقيقة المادة، وجد نفسه في وسط أمواج من الأسرار تتوسع دوائرها بما لا قبل له بها، فظهرت أمراض جديدة وتوسعت دوائر التحدي أمام علماء المادة وتبع كل ذلك معاناة جديدة للإنسان حيث انتشرت الأوبئة وازدادت الأمراض التي لم يعهدها بنو البشر من قبل ووجد الإنسان نفسه في حيرة بعد أن كان قد وصل إلى قمة الثقة في ما يملكه من علم مادي. من هذا كله كان من واجب علماء المسلمين أن يبادروا إلى ربط العلاقة المادية بالسمو الروحي، تلك هي الفطرة التي تكونت منها الحياة، فلا معرفة حقيقية دون ذلك الربط ولا علم نافع من غير ذاك الفهم، ومن أجل ذلك كانت ندوة التشافي بالقرآن التي نقدم لها هنا، فهي تهدف، فيما تهدف إليه، إلى توثيق العلاقة الروحية بالأثر المادي وتثبت تفاعل المادة بالروح وأيضًا تأثير الروح بالمادة، فكلاهما خلق الله ومعرفتهما من مسالك العلم التي ينتفع بها العالمون.