الصفحة 12 من 47

ويشير الجويني بذلك إلى الفوائد الآتية:

1 -تمرين ذهن طالب العلم على معرفة مهمات الواقع، واقتناص الوقائع، واستثارة ما يناسب منها وضع الأحكام، والإعراض عن الأمور التي لا يلفى لها في مظان الشريعة التفات، ولا يقصد إليها في تكييف النوازل والمستجدّات. فالواقع الإنساني مركَّب من أفعال كثيرة وتوجد فيه ظواهر متكاثرة، ولا يمكن لمس هذا الواقع وتغيير اتجاهه صوب مقاصد الشريعة إلاَّ بمعرفة المعاني المناسبة التي تستثير الأحكام. وقد ينشغل طالب العلم بالعناصر التي أهملت في مقاصد الشرع وخلت عنها مدارك الأحكام، فيقلّبها ويقولب ويفرّغ فقهه فيها وهي لا تلامس شيئًا من الأهداف التشريعية ولا تركن إليها روح الشريعة، وهذا ما يُعرف في أصول الفقه بتمييز المعاني المؤثرة من المعاني الطرديَّة التي لا يؤبه لها في التشريع، وذلك بتنقيح المناط. وقد يهاب طالب العلم من لمس واقعه فيلاذ به في التمرين إلى صور ممكنة الحدوث منشأة بالتخمين والتحديس، ليروّض فيها فقهه ويرسم فيها نظره. وهذا يعني أنَّ من فقه التوقع ما هو ضروري لمعرفة فقه الواقع والمراس عليه. يقول الجويني:"أهم المطالب في الفقه: التدرب في مآخذ الظنون، في مجال الأحكام، وهذا هو الذي يسمى فقهَ النفس، وهو أنفس صفات علماء الشريعة" (1) .

(1) الجويني، الغياثي، ص 480.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت