فهرس الكتاب
ولعلَّ الفائدة الأخيرة هي متطلَّع أنظار الفقهاء، ومأخذ استثارة العلماء لفقه المتوقع، في هذا الوقت الراهن، نظرًا لأنَّ استشراف المستقبل والتخطيط الاستراتيجي ووضع السياسات والخطط التنموية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية بعيدة الآجال، صارت من المستجدات الكلية والنوازل العامة في المجتمعات المعاصرة، فلا يجدر بالمسلمين التغافل عن حاجة العصر والزمان دون الإعداد والاستعداد لما هو آتٍ من التوقعات، نازلٌ من المآلات. أما الفقه الخاص وإدراك أحكام المسائل الجزئية فقد عنيت به كتب الفقهاء عنايةً بالغة،"فمذاهب الأئمَّة لا يخلو في كل كتاب، بل في كل باب، عن جوامع وضوابط وتقاسيم تحوي طرائق الكلام في الممكنات، ما وقع منها وما لم يقع" (1) ، كما قال الجويني.
لقد اختبر الإمام الجويني توقعات الأحكام وما تقتضيه من تغير عهدة الواجبات والحقوق في شرطي التكليف الأساسيين، على مستوى الأمة العام، لا مستوى الأفراد الخاص، وهما شرط القدرة والعلم بالتكاليف. فقد امتحن قاعدة"لا تكليف إلاَّ بمعلوم مقدور"على مستوى قدرة الأمة وعلمها بالتكاليف.
أما القدرة على المستوى العام فمناط أمرها قدرة الأمة على نصب الإمام وعزله، وقدرة هذا الأخير على القيام بوظائف الأمة، في حراسة الدين وسياسة الدنيا، بما يمثله من شخصيَّة معنويَّة مستنابة عنها، لأنّه"تطوَّق أمور المسلمين، وصار مع اتحاد شخصه كأنه المسلمون أجمعهم ... وهو نائب عن كافة أهل الإسلام"كما نطق الجويني (2) . وأما العلم على مستوى الأمة فمناطه العلماء على طبقاتهم، فالعلماء ورثة الأنبياء والذهن المعنوي والعقل العام للأمة.
(1) الجويني، الغياثي، ص 492.
(2) الجويني، الغياثي، ص 346.