فموسرو الأمة وقادروها إذًا أصلاء في القيام بفروض الكفايات، والإمام مستناب في تنفيذ الأحكام، فإذا تم دفع الحاجة بأموال المسلمين، ثم فضل مال في بيت المال، فإنهم لا يرجعون على الإمام بما دفعوا وقت الحاجة، لاحتمال طروء حاجة أخرى يستأدي لها من جديد، فيكون الإمام دومًا في ردٍّ واسترداد، لذا خلص إلى أنَّه"إنْ درَّ لبيت المال مال، فحظُّ المسلمين منه تهيُّؤه للحاجات في مستقبل الأوقات" (1) .
3 -تمييز الكليات عن الجزئيات، والقطعيَّات عن الظنّيات، ومعرفة مراتب الديانات ومنازل الأحكام، وهذا من أهم الأمور التي تساعد على إتقان الفقه وإحسان الفهم،"ومن جلَّ في الدين خطرُه، دقَّ في مراتب الديانات نظرُه" (2) ؛ فكثيرًا ما تتعارض الأحكام في واقع معيَّن، ولا يُعرف ما يقدَّم وما يؤخَّر، ومرتبة المصالح الراتبة على كل فرضٍ وتقدير، فيحتاج الحسم فيه إلى الاضطلاع بمثل هذه المعرفة لدرك مناطات التمييز. وكأنِّي بالإمام الجويني أراد - فيما أراد تحصيله من أغراض الكتابة في فقه التوقع - أن تقع الأيدي على المقاصد العليا والقواعد الكبرى، وما يقوم في كل باب من أبواب الفقه مقام الضروري منه وما ينزل دونه منزلةً، فيمكن الافتداء بالمبتذل الأدنى في سبيل الإبقاء على الضروري الأعلى عند التداعي، وذلك إذا حدثت حادثة أو ألمّت حاجة لا يمكن حل المعضلة فيها إلاَّ بترجيح أحد الأمرين وتفويت الأخر.
(1) الجويني، الغياثي، ص 391.
(2) الجويني، الغياثي، ص 457.