لقد أدرك الجويني - رحمه الله - خطورة اقتحام هذا الباب من الفقه، لا سيَّما ولم يمهّد السلف له تمهيدًا، فلم يخوضوا فيه، وليست حال أصوله وقواعده - باطراد - كحال أصول الفقه العاديّ وقواعده. وعلى فرض أن أصول فقههما متماثلة؛ وأن أصول فقه المتوقع عائدة إلى الأصول التي مهَّدها العلماء للفقه العاديّ؛ فإنَّ تطبيق تلك الأصول وتمثيلها وتدقيقها وتنزيلها في هذا المجال من الفقه لا يزال عتيدًا شديدًا أبيًّا، ويظلُّ معضِلًا مشكِلًا عصيًا؛ نظرًا للاختلاف الكامن ما بين طبيعة الواقعات المشخصة المشاهدة النابضة، وجبلَّة المتوقَّعات المستشرَفات العارضة، سيَّما وأصول الفقه مأخوذة من استقراء تصاريف التشريع وتتبع السيرة والتماس الطريقة التي كان عليها نقلة الشريعة من الصحابة الذين"عاصروا صاحب الشريعة، وعلموا أن معظم أفعاله وأقواله مناط الشرع، واعتنوا على اهتمام صادق بمراجعته (صلى الله عليه وسلَّم) فيما كان يسنح لهم من المشكلات، فنزل ذلك منهم منزلة تدريب الفقيه منَّا في مسالك الفقه. فالفنُّ المترجم بأصول الفقه حاصله: نظْمُ ما وجدنا من سيَرهم، وضمُّ ما بلغنا من خبرهم، وجمعُ ما انتهى إلينا من نظرهم، وتتبُّع ما سمعنا من عبرهم، ولو كانوا عكسوا الترتيب (أي ترتيب مدارك الفقه) لاتبعناهم" (1) ، وقد تمهَّد"أنهم - رضي الله عنهم - ما كانوا يضعون المسائل لتمهيد القواعد وتبويب الأبواب" (2) .
(1) الجويني، الغياثي، 481 - 482.
(2) الجويني، الغياثي، ص 485.