لهذا الفقه أدوات في جانبي: معرفة الواجب في الشرع، والتعريف بالأمر المتوقَّع. فلكل من النظرين أدواته ومنهاجه.
فأما ما يتعلق بوسائل التعرُّف على المتوقَّع، وما له من أثر في الواقع، وما للواقع من أثر عليه؛ فإن ذلك يُعرف بأدلة الوقوع من العقل والحس واللغة والحدس والطبع والعادة، وكذلك يمكن الاستعانة بثمرات التجارب الإنسانية والدراسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية التي تمخضت من أدلة الوقوع السالفة الذكر، وتفيد الظنَّ الراجح، وتتسم بالحياد والموضوعيَّة، ولا تتعارض مسلَماتها مع العقيدة السليمة وقيم المرجعية الإسلامية العليا، والبراهين والمقدمات المنطقية المحايدة.
ولعلَّنا هنا أمام طرح شامل لمفهوم"أسلمة المعارف الإنسانية"ليتم استثمارها في هذا المجال الخصب من الفقه والنظر.
والمطلوب هو التعرُّف على المناط (الموضوع) تعرُّفًا سليمًا على وجه التحديد أو على رسم التقريب، لأن الحكم على الشيء فرع تصوُّره.
فمن مباحث هذه العلوم ما يُستظهر به على معرفة ما يناسب من المعاني التي يمكن استثارتها في الأصول والفروع؛ حتى تكون مناط الأحكام ومدار الفتوى. كما يمكن أن يُستعان بها في فهم السنن الإلهيَّة والقوانين والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وفي فهم طبيعة النفس البشريَّة، وانتهاض قوام المجتمعات، وقيام الحضارات وسقوطها؛ التي أومأت إليها النصوص جملةً؛ لكن لا يمكن للفقيه أن يستقل بفهمها والانتهاء إلى غاياتها من دلالات ألفاظها، دون أن تكون أمامه هذه المبصّرات والمؤيدات والمعززات. فهي أمور مساعدة على مستوى التعليل والتخريج والتطبيق، حتمًا.