الصفحة 26 من 47

ولعل هذا ما يميّز الفقه الافتراضي عن فقه المتوقع، فإن المتوقع، له أمارات الظهور ولو على المدى الأبعد، ولكن المفترضات قد لا تكون عليه أمارات وتكون مجرد فروض في الخيالات، لا مستند لها في الإخالات.

رابعًا: ينبغي التقيد برسم الشريعة وعدم الانسلال عن ربقتها والتحرر من ضبطها وربطها. لذلك لم يرتض الإمام الجويني استرسال الأحكام في المتوقعات عن غير ضبط وربط، ورسمٍ وحدّ، ولم يسمح بالتمادي على ضوابط الشريعة والنزول على حكم الاستصواب بإطلاق، فلم يقبل من الآراء ما لا ينسجم ووضع الشريعة. فكان من أثر ذلك أنَّه: رفض التغريم بالمال، وإطلاق الأيدي في سفك الدماء، والزيادة بالعقوبات التعزيرية عن مقادير الحدود، وردع أصحاب التهم قبل إلمامهم بالهنَّات والسيئات. (1) يقول الجويني في هذا المعرض:"الذي يُبديه أصحاب السياسات أن التعزير المحطوط عن الحدّ، لا يزع ولا يدفع. وغايتهم أن يزيدوا على مواقف الشريعة ويتعدَّوها، ليتوصَّلوا بزعمهم إلى أغراض رأوها في الإيالة ... وإنَّما ينسلُّ عن ضبط الشرع من لم يُحطْ بمحاسنه، ولم يطَّلعْ على خفاياه ومكامنه، فلا يسبق إلى مكرمة سابقٌ إلاَّ ولو بحث عن الشريعة لألفاها أو خيرًا منها في وضع الشرع" (2) . ولذلك منع النزول على حكم الاستصواب دون أن ينتظم ذلك تحت متعلق كلي من كليات الشريعة، فقد قال وهو يتحدَّث عن التغريم بمصادرة المال:"هذا مذهب جدُّ ردئ، ومسلك غير مرضيّ، فليس في الشريعة أنَّ اقتحام الآثام يوجه إلى مرتكبيها ضروب المغارم، وليس في أخذ الأموال منهم أمر كلي يتعلق بحفظ الحوزة والذبّ عن البيضة، وليس يسوغ لنا أن نستحدث وجوهًا في استصلاح العباد وجلب أسباب الرشاد، لا أصل لها في الشريعة" (3) .

(1) انظر الجويني، الغياثي، ص 352 وما بعدها.

(2) الجويني، الغياثي، ص 359 - 360.

(3) الجويني، الغياثي، ص 398.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت