الصفحة 25 من 47

ثالثًا: نهج الجويني نهجًا موفقًا في تمهيد"المتوقع"وضبطه، فقد كان يعرّف به تحقيقًا وتدقيقًا، ثمَّ يرتب عليه الأحكام، فأبان عما يريد بشغور الزمان عن الإمام، وما يريد بخلو الزمان عن العلماء، ثمَّ فصَّل أحكام الشريعة في ما يتعلق بمقاصد الدين في الحالين، على مستوى مقصد حفظ الدين والنفس والمال والنسل والنسب. وتحت كل فصل ذكر كثيرًا من التوقعات وأمدَّها بالأحكام، على ذلك النهج والنظام. وهو بهذا يرشد إلى أن التوقع المراد فقهه يجب أن ينضبط مفهومه؛ إن كان توقعًا شرعيًا فبأدلة الشريعة، وإن كان توقعًا نظريًا فبأدلة النظر من العقل والحس والحدس والطبيعة والعادة واللغة، (1) وإن كان الأمر آخذًا بالطرفين فيجب ضبطه بالدليلين: دليل المشروعية ودليل الوقوع. ولذلك أثبت الجويني إمكان دروس العلم وانقراض العلماء بما ورد في السنة من قبض العلم بقبض العلماء، وبما وجده في زمانه من علامات وأمارات تنحو هذا المنحى، ولو من بعيد المدى، فقال:"إني وضعت هذا الكتاب لأمر عظيم، فإني تخيَّلت انحلال الشريعة وانقراض حملتها، ورغبةَ الناس عن طلبها، وإضراب الخلق عن الاهتمام بها، وعاينت في عهدي: الأئمةُ ينقرضون ولا يُخلَفون، والمتسمون بالطلب يرضون بالاستطراف، ويقنعون بالأطراف، وغاية مطلبهم مسائل خلافيَّة يتباهون بها، أو فصول ملفقة، وكلِمٌ مرتَّقة في المواعظ، يستعطفون بها قلوب العوامّ والهمج الطغام. فعلمت أن الأمر لو تمادى على هذا الوجه لانقرض علماء الشريعة على قرب وكثب، ولا تخلفهم إلا التصانيف والكتب" (2) .

(1) انظر الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1999) ، ص 206 وما بعدها.

(2) الجويني، الغياثي، ص 558.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت