ولهذا يعظم خطر فقه التوقع، نظرًا لأن الأصول الفقهية المدونة مأخوذة من طرائق السلف الماضين، وسيرتهم في النظر والاجتهاد والتقنين، وأنهم لم يكونوا يفترضون المسائل ولا يحكمون عليها ولا يمهدون لها القواعد والأصول قبل أن تقع أو أن تشرف على الوقوع، فغاية ما يُسند إليهم من أصول الفقه سدُّ الذرائع المفضية للفساد، واسترسال مصالح البلاد والعباد، والاعتبار بمآلات الأفعال، وهي كلها أسباب لضبط طرق من فقه التوقعات القريبة الوقوع أو البعيدة الوقوع التي لم تنقطع عن وصلتها بالواقع حيلة الأسباب، وعلاقات الإفضاء والإدلاء، وصلات التأثير والانتماء، وهذا وجه من وجوه فقه التوقع، ومقطع من مقاطعه، ودرب من دروبه. ولعل فقه التوقع أبعد مدىً وأثرًا، وأطول أيامًا وعمرًا، بحيث تكون القفزة بين الحال والمآل أشواطًا لا شوطًا، وخطواتٍ لا خطوةً، ولولا أن مسالكه في منقلب الأيام لائحة، وأسبابه في مخايل العقل راجحة، لكان فقه التوقع صنو الفقه الافتراضي وأخًا له؛ إن لم يكن ذلك بوصلة النسب، فبسبب الولاء والعصب.
فيا ترى كيف مهَّد الإمام الجويني الخوض في فقه لم تُسْبَرْ من السلف أصوله ولم تعبَّدْ مناهجُه، سيَّما وهو يدرك أن"أصول المذاهب تؤخذ من مآخذ القطع"؟
لقد نبَّه الجويني إلى خطورة المسلك، ولم يبيّن منهجه في ذلك في سياق واحد؛ ولكنه ذكر في معاقد كتابه عبارات تدل على المنهج، ومما ذكره ما يأتي:
1 -يقول الجويني:"لا يفرض وقوع واقعة مع بقاء الشريعة بين ظهراني حملتها إلا وفي الشريعة مستمسك بحكم الله فيها ... ولم تتفق في مكرّ الأعصار، وممرّ الليل والنهار، واقعة نقضي بعروّها عن موجب من موجبات التكليف، ولو كان ذلك ممكنًا لكان يتفق وقوعه على تمادي الآماد، مع التطاول والامتداد. فإذا لم يقع، علمنا اضطرارًا من مطرد الاعتياد أن الشريعة تشمل على كل واقعة ممكنة". (1)
(1) الجويني، الغياثي، ص 498 - 499.