وبهذا أرسى الجويني أساس فقه التوقع على مقطوع به في حكم الاعتياد، وهو أنه لا تخلو واقعةٌ عن حكم الله؛ فلو افترضنا وجود واقعة ليس لله فيها حكم ولا تكليف لاختلَّ الأساس ولم يستدَّ؛ أمَّا وأن القاعدة التي يسلم بها جمهور العلماء هي نفي وجود واقعة بلا حكم، ولو بأصل الإباحة والبراءة، فقد لزم اعتبار هذا الفقه، واتسق له وصف الاطراد.
2 -قال في موضع:"إنَّ معظم مضمون هذا الكتاب لا يُلفى مدوَّنًا في كتاب، ولا مضمَّنا لباب ... ولكني لا أبتدع ولا أخترع شيئًا؛ بل ألاحظ وضع الشرع، وأستثير معنىً يناسب ... وهكذا سبيل التصرف في الوقائع المستجدة التي لا يوجد فيها أجوبةُ العلماء معدَّة. وأصحاب المصطفى - صلوات الله عليه ورضي عنهم- لم يجدوا في الكتاب والسنة إلاَّ نصوصًا معدودةً وأحكامًا محصورةً محدودةً، ثمَّ حكموا في كل واقعة عنَّت، ولم يجاوزوا وضع الشرع، ولا تعدَّوا حدوده، فعلَّمونا أنَّ أحكام الله لا تتناهى في الوقائع، وهي مع انتفاء النهاية عنها صادرة عن قواعد مضبوطة" (1) .
فقد أشار بذلك إلى أن مرجعه في ذلك الاستدلال بوضع الشريعة، والشريعة - كما نعلم - لها مقاصدُ، عنها صدرت، وعليها نبَّهت، ورغم اتساع أحكام الشريعة وعدم نهايتها في الوقائع فإن توقع الأحكام ممكن، لأن الأحكام تجمعها قواعد مضبوطة، فيمكن معرفة الأحكام في النوازل المتوقعة بمعرفة القواعد الضابطة لها، يستوي في هذا الأمرِ الحكمُ في نازلة استجدت ولم توضع لها أجوبة، والحكم في مسألة يتوقع حصولها ولم تستجدَّ بعدُ؛ لأن في القواعد عونًا على استداد النظر وسلامته من آفة الوقوع في ظلمة المغبَّات، والسقوط في مهاوي الخيالات، فهي غياث الأمة عند التياث الظلمة،"وإذا استدَّ الناظر، استوى الأول والآخر" (2) .
(1) الجويني، الغياثي، ص 384.
(2) الجويني، الغياثي، ص 384.