والمثال على ذلك اختلاف وجهات نظر الفقهاء في الطرق الميسورة أمام الحكومة لتمويل العجز في الموازنة العامة. وتصويرُه أنه"إذا وقعتْ واقعةٌ عامَّةٌ، وداهية مطبِقةٌ للخطَّة عامَّة، ومسَّت الضرورات في دفاعها إلى عُدَّة ومادَّة من المال تامَّة، ويد الإمام صافرةٌ، وبيوت الأموال شاغرة" (1) ، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الإمام"يتسبَّب إلى استيداء مال من موسري المسلمين، فإنَّه يفعل ذلك على موجب الاستصواب ما أراد، وعمَّم أهل الاقتدار واليسار في أقاصي البلاد ... فإن اقتضى الرأي تعيين أقوام على التنصيص، تعرَّض لهم على التخصيص" (2) . ثمَّ ذكر مذاهب ثلاثةً في تكييف المال الذي أخذه، فمنهم من"ذهب إلى أنَّ الإمام يأخذ ما يأخذه في معرض الاقتراض على بيت المال على كل حال ... وقال قائلون: إنْ عمَّم بالاستيداء مياسيرَ البلاد والمثرين من طبقات العباد، فلا مطمع في الردّ والاسترداد، وإن خصَّص بعضًا لم يكن ذلك إلاَّ قرضًا ... فمن قال: الإمام يستقرض استمسك بأنَّ أقدار الواجبات مضبوطة الجهات ... ومآخذ الأموال لو تعدَّت الطرق المضبوطة والمسالك الموضَّحة في الشريعة لانبسطت الأيدي إلى الأموال، ولم يثق ذو مال بماله، لا في حاله ولا في مآله" (3) .. ويرجح الجويني أن ما يأخذه الإمام في هذه الحالة تطوع من صاحبه، لثبوت حاجة عامة يقوم سدّها مقام القيام بفرض كفاية، سواء أخذ المال من العامة أو من معيَّنين. ودلل على ذلك بتوقع حادث وبيان حكمه فيه ليتنقح له الموجِب، ويصفو المناط، قال:"والدليل عليه أنَّا لو فرضنا خلوَّ الزمان عن مطاعٍ، لوجب على المكلَّفين القيام بفرض الكفايات، من غير أن يرتقبوا مرجعًا، فإذا وليهم إمام فكأنَّهم ولَّوه أن يدبرهم تعيينًا وتبيينًا فيما كان فرضًا بينهم" (4) .
(1) الجويني، الغياثي، ص 388.
(2) الجويني، الغياثي، ص 388.
(3) الجويني، الغياثي، ص 389.
(4) الجويني، الغياثي، ص 390.