والتوقع الذي أراد اختبار الأحكام عليه يتفرع إلى فرعين هما مطلوب كتابه (الغياثي) :
أولًا: بيان أحكام الله عند خلوّ الزمن عن الأئمة (الإمامة الكبرى) .
ثانيًا: إيضاح متعلَّق العباد عند خلو البلاد عن المفتين المستجمعين لشرائط الاجتهاد. (1)
وقد كانت طريقته مبنيَّة على بيان أحكام الشريعة على الكمال في حال وجود الأئمة المنتصبين للإمامة الكبرى، والعلماء المتصدين للاجتهاد والفتوى، ليتم له بيان الغرض عند خلو الزمان من الإمام أو عروِّه عن المفتين. فعندما بيَّن أحكام الولاة قال:"وإنما اضطررت إلى كشف أحكام الولاة إذا وجدوا؛ لأتوصَّل إلى بيان غرضي إذ فقدوا". (2)
وقد يفهم مما صنعه الجويني في هذا الكتاب أنه ينبغي التقيد في فقه المتوقعات بما يأتي:
أولًا: تفهم الشريعة على حقيقتها، ذلك أن معرفة مدارات الأحكام في المتوقع، فرع عن معرفة أحكام الأفعال على منهاج الشريعة الأتمّ الأكمل الأقعد، أي: فهم خطاب الشارع حسب الاقتضاء الأصلي أس الحراك في تكييف خطابه في الاقتضاء التبعي. ولهذا مهَّد لاجتهاده في الأمرين ببيان ما قصد الشارع بيانه وأراد من الخلق إتيانه، واستبانة النظام الذي تنتظم عنه أحكام الشريعة في الكليات والجزئيات. فمن اختلَّ في فهم الشريعة نظره، اختلَّ في أحكام المتوقَّعات فكره، واستبدَّ به في ظلمات التوقع خطلُه وجهله.
(1) الجويني، الغياثي، ص 277.
(2) الجويني، الغياثي، ص 277.