الصفحة 23 من 47

ثانيًا: التمكن من الاجتهاد وعدم الخلود إلى التقليد والجمود، فلا يمكن للفقيه أن يخلو بهذا الفقه وهو مقلد غير مستقل بالنظر والتحقيق، تائهٌ وراء المنقول عن الأئمة الأولين، لا يميز مراتب الأحكام ومصالح الأنام ما يقدَّم منها وما يؤخَّر، وذرائع الفساد، ما يُسدُّ منها وما يُغتفَر، ولا يعرف الحدود بين الثابت والمرن، ولا يدرك ولا يميز ما يطرد من العلل والمعاني عن العلل القاصرة والمعاني الطردية والموجبات العينية والحالية المتلبسة بظروف وأشخاص وأعراف، وأزمنة وأحوال، لأن تقليده واستماتته في الدفاع عن الآراء المدوَّنة دون فحص وتدقيق يمنعه من تحديد بصره في المتوقعات، ويجعل عينه شاخصةً أمام الصور والقوالب والأشكال، دون المعاني والمدارك والأسرار. وذلك لأن من فوائد فقه التوقع معرفة وجه اطراد الحكم الشرعي في مختلف الظروف والفروض، فإذا قصَّر نظر الفقيه عن هذا المبتغى، ضلَّ مسيره في هذا المنتحى. أوليس الجويني قد قال:"وطُرُقُ المباحث لا تتهذَب إلاَّ بفرض التقديرات قبل وقوعها، والاحتواء على جملتها ومجموعها"؟ (1) . فما هذه التوقعات والتقديرات إلا حلقة من حلقات الاختبار، لقدرة المعاني على إدامة اطراد الأحكام في مجموع طرق الإمكانات وما يطرأ من الأمارات. ولذلك يميّز الجويني بين مكونات النكاح الشرعي في الاعتبار، وذلك بتوقع أحكامه عند غموض أمره على أهل الزمان الشاغر عن العلماء، فلا يجعل الولي والشهود مهمًا كركن الصيغة المعبرة عن الرضا، لذا لم يكن تفويتهما عند عدم العلم بذلك، والظن بحصول المناكح بالعقود، ليحرِّم المناكح، عنده.

(1) الجويني، الغياثي، ص 558.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت