وهذا الفهم الصوفى لأوائل الصوفية يوفق بين كون الأفعال مخلوقة لله من جهة وكون العبد مسؤلا عن فعله مكتسبا له مجازى عليه من جهة أخرى ، فالأفعال مخلوقة لله وهى على حالة محايدة لا هى بالخير ولا هى بالشر ، فإذا تلبست بها إرادة العبد ظهر معنى لأفعال الحلال والحرام .
ولبيان الفكرة من المنطق الصوفى لأوائل الصوفية نضرب مثلا بمباشرة الرجل للمرأة فهو فعل واحد ، ولكنه يكون حلالا يؤجر عليه المرء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( وفى بضع أحدكم صدقة ) (2) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-اللمع ص 447 .
2-أخرجه الإمام مسلم في كتاب الزكاة ، باب فضل النفقة على الأقربين والزوج والأولاد برقم (53) وأبو داود في كتاب التطوع برقم (13) وأحمدحـ5 ص167 .
وتارة يكون زنا يعاقب عليه كما قال تعالى:
{ الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } (1) والفاصل بين هاتين الحالتين نية العبد وموافقة الفعل لمنهج الله .
ويشترط الصوفية الأوائل شرطين لكى يكون العمل مقبولا يحمل معنى الخير وطاعة الله:
أحدهما: مطابقة العمل للشريعة وأحكام الدين .
والثانى: توجيه الإرادة وإخلاص القصد لله بحيث يكون مبتغاه من العمل مرضاة الله ولا شئ سوى مرضاة الله.
ويحبط العمل عندهم إذا خلا من أحد هذين الشرطين (2) .
ويذكر الهجويرى في كشف المحجوب أن أوائل الصوفية يرون اختيار الله لهم هو الذى يفصل في معنى الخير والشر ، ويجب أن يتفوق مراد الله على مرادهم لأنفسهم ، فيرضون بكل ما اختاره لهم من خير أو بعد عن الشر (3) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-النور /2 .
2-القصد والرجوع إلى الله ص 68 .
3-كشف المحجوب ص 470 .
سئل أبو اليزيد البسطامى (1) عن الأمير فقال: ( هو من لا اختيار له ، ومن كان اختيار الله اختياره ) (2) .