الصفحة 111 من 295

ومما تقدم في المبحث الأول نجد أن أوائل الصوفية قرروا أن الفعل من حيث كونه مخلوقا لله عز وجل هو فعل محايد ليس شرا ولا خيرا وإنما الذى يصبغ عليه الصبغة الخلقية هو كسب العبد له حسب اختيار ونية معينة .

فإن كان الكسب للفعل ابتغاء مرضاة الله وهو واقع حسب شرعه ومنهجه فإنه يصبح طاعة وخيرا ، فالذى جعله خيرا هو نية العبد وكسبه وإن كان الكسب لفعل ابتغاء الدنيا وحسب الهوى ورغبة للنفس وفجورها مخالفا لحكم الله وأوامره التشريعية كان شرا .

وهنا يظهر التوافق بين اعتقاد أهل السنة والجماعة ومشايخ الصوفية الأوائل في إبرازهم لحقيقة القرآن كما هى دون مخالفة في هذا الباب ففى قوله تعالى:

{ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا } (1) .

ــــــــــــــــــــــــ

1-الإسراء / 18: 20 .

فالاعتقاد الذى حملته هذه الآيات يشهد بسلامة الاعتقاد الصوفى للأوائل إذ أنها دلت على عدة أمور:

1-إثبات الإرادة الإنسانية حرة وأصيلة في العبد يختار بها أحد الطريقين المعروضين أمامه ، طريق ممثل في العاجلة أو الدنيا وآخر ممثل في الآخرة .

2-أن الله يخلق الفعل في العبد بناءا على اختياره وإرادته حيث نسب تحقيق المراد للإنسان أو عدم تحقيقه إلى نفسه وحسب مشيئته في الابتلاء فقال تعالى: { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } فليس كل ما يريده الإنسان ويتمناه يحققه الله بعد تمنيه مباشرة ، كالمثل الذى ضربه المحاسبى وذكر فيه إرادة القاتل القتل وموته قبل ذلك فحوسب على نيته .

3-أن الله سبحانه وتعالى يمد الكافر والمؤمن بالفعل على السواء فيعطى الكافر القدرة على أفعال الكفروالإيمان ويعطى المؤمن القدرة على أفعال الإيمان والكفر تحقيقا للابتلاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت