الصفحة 112 من 295

* الصوفية وإسقاط الإرادة:

أخطأ بعض السالكين من أوائل الصوفية وظنوا أن الطريقة الكاملة للتصوف ألا يكون للعبد إرادة أصلا وليس هذا ما عناه مشايخ الصوفية لما نادوا بالتجرد عن الإرادة كقول أبى يزيد البسطامى:

( أريد ألا أريد ، لما قيل له: ماذا تريد ؟ ) (1) .

ويعلق ابن تيمية على العبارة السابقة بقوله:

( والواقع أن عبارة أبى يزيد البسطامى تبين أنه قد أراد ) (2) .

ويقول: ( بعض الصوفية حملوا كلام المشايخ الذين يمتدحون بترك الإرادة على ترك الإرادة والاختيار مطلقا ، وهذا غلط منهم على الشيوخ المستقيمين إذ أنهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهى الشرعيين ) (3) .

وتتضح هذه الفكرة إذا علمنا أن أوائل الصوفية يحاولون في منهجهم السعى إلى مرضاة الله ومن ثم فإنه من المفترض أن يختاروا لأنفسهم ما اختاره الله لهم ودعاهم إليه فينبذوا الدنيا ويفضلوا الآخرة كما قال تعالى: { والآخرة خير وأبقى } (4) .

ولشدة الالتزام المتوقع بهذا الطريق بدا عليهم وكأنهم مسلوبى الإرادة متجردين عنها تماما يحركهم الله كيف شاء شرعا وكونا ولذلك يقول القشيرى:

ـــــــــــــــــــــــ

1-التنوير في إسقاط التديبر ص 110 .

2-كتاب السلوك لابن تيمية ص 494 .

3-السابق ص 516 .

4-الأعلى / 17 .

( المريد في عرف هذه الطائفة من لا إرادة له فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا ) (1) .

وإن دل ذلك على شئ فإنما يدل على مدى إثبات الصوفية لأصالة الإرادة في الذات الإنسانية يقول الواسطى: ( أول مقام المريد: إرادة الحق سبحانه وتعالى بإسقاط الإرادة ) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت