الصفحة 113 من 295

فالذين نظروا إلى أن المشايخ فرغوا من الإرادة مطلقا ولم يبق لهم مراد إلا ما يقدره الرب ، وأن هذا المقام هو أكمل المقامات التى أدت بالأوائل إلى منزلتهم الرفيعة جانبوا الصواب تماما ، لأنهم لا يعنون التحلل من أوامر الشرع بإسقاط الإرادة أو الاحتجاج بالقدر ، وإنما أرادوا كمال الانضباط .

وخير دليل على ذلك من كلامهم ما ذكره أبو بكر الدقاق حيث قال: ( لا يكون المريد مريدا حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال عشرين سنة ) (3) .

ويقصد بذلك استقامة المريد العابد بإرادته واختياره على الطريق الذى اختاره الله له والمتمثل في الالتزام بأحكام العبودية وكثرة التطوع ــــــــــــــــــــــــ

1-الرسالة ص 433 .

2-السابق ص 473 .

3-الرسالة حـ 2 ص 434 .

والتنفل إلى أن يبلغ درجة لا يجد الملك الموكل بكتابة السيئات شيئا يكتبه عليه مدة عشرين عاما على تقدير الدقاق ، وعلى هذا أيضا يحمل قول أبى يزيد السابق: ( أريد ألا أريد ) أى أريد الالتزام بالأمر والنهى في طريق التكليف ولا أريد غير ذلك .

فملازمته لطريق الله إنما يكون بقوة الإرادة وأصالة الاختيار فيه وصدق الباعث من الإخلاص في القصد بالهمة والعزيمة .

ويفرد السراج الطوسى بابا في كتابه اللمع يرد به على من غلط في عين الجمع وظن أن المقام هو مقام القول بالجبر حتى يصل إلى شهود أفعال الربوبية فقال:

( وجماعة غلطوا في عين الجميع فلم يضيفوا إلى الخلق ما أضاف الله تعالى إليهم ولم يضيفوا أنفسهم بالحركة فيما تحركوا فيه وظنوا أن ذلك منهم احترازا حتى لا يكون مع الله شئ سوى الله ) (1) .

فبين أن ذلك أداهم إلى الخروج من الملة وترك حدود الشريعة لقولهم أنهم مجبرون على حركاتهم حتى اسقطوا اللائمة عن أنفسهم عند مجاوزة الحدود ومخالفة الإتباع (2) .

ويذكر السراج أن من هؤلاء من أخرجه ذلك إلى الجسارة على ــــــــــــــــــــــــ

1-اللمع ص 549 .

2-السابق ص 549 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت