التعدى والبطالة وطمعته نفسه على أنه فيما هو عليه مجبور (1) .
وقد يظن بعض الصوفية أن الوقوف مع إرادة الأمر والنهى يكون في السلوك والبداية ، أما النهاية فلا تبقى إلا إرادة القدر وهذا ضلال بين وخروج عن الطاعة والعبادة مما يؤدى بهم إلى أن يكونوا من أعوان الفجار والكفار حيث شهدوا القدر معهم ولم يشهدوا الأمر والنهى الشرعيين (2) .
وهؤلاء بعض الملاتية الذين يفعلون المعاصى والمنكرات ويقولون لا ملامة .
وقد نقل الهجويرى كثيرا من أفعالهم وبين خطأهم في ذلك (3) إلا أن الأصل في إسقاط الإرادة عند المستقيمين من المشايخ يختلف عن المنحرفين في فهمها وقد سئل سهل بن عبد الله عن رجل يقول: أنا مثل الباب لا أتحرك إلا أن يحركونى ؟
فقال سهل: ( هذا لا يقوله إلا أحد رجلين: إما رجل صديق وإما رجل زنديق ) (4) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-السابق ص 549 .
2-كتاب السلوك ص 499 .
3-كشف المحجوب 260: 265 وانظر الفتوحات لابن عربى حـ 3 ص 46 .
4-اللمع ص 549 .
فالأول عنده صديق لأنه اختار اختيار الله له فلا يتزحرج عنه ويرجع في كل شئ إلى الله ، والتزم الأمر على ما ينبغى من المتابعة وحسن الطاعات والقيام بشرط الأدب وسلوك المنهج على حد الاستقامة .
والثانى عنده زنديق لأنه احتج بالقدر على المعصية واسقط اختياره مطلقا تحت ستار القدر فأزال اللائمة عن نفسه في ركوب المآثم بغواية الشيطان وتسويله وتأويله الباطل (1) .
ومن جملة ما تقدم في هذا المبحث نخلص إلى القول بأن أوائل الصوفية يقررون في إرادة الإنسان الأمور الآتية:
أولا: وجود الإرادة الحرة كمصدر أصيل لأفعال الإنسان ، وأنها ذاتية منه بمعنى أنها مصدر أول وأصيل لكل الحركات والسكنات في أعمال القلوب والجوارح ومصدر للنيات والرغبات والقصود وجميع الاختيارات الإنسانية .