ويرى المكى أن خلق الإنسان بازدواجية في الخواطر ووجود الإرادة الحرة بينهما وتركيبه بهذا الوضع أية من آيات الله الكونية تدل على حكمته سبحانه وتعالى في تعديل الإنسان بما يحقق الغاية من خلقه وابتلائه في الدنيا ، ويستدل المكى لذلك بقوله تعالى: يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذى خلقك فسواك فعدلك في أى صورة ما
ــــــــــــــــــــــــ
1-انظر تفصيل ذلك في قوت القلوب حـ 1 ص 122: 125 .
2-انظر تفصيل ذلك في أعمال القلوب والجوارح للحارث المحاسبى ص 80: 83
شاء ركبك (1) .
وبقوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } (2) .
فكانت صورة التعديل والتقويم عند المكى أن جعل الله زوجين من الخواطر كبواعث للإرادة الإنسانية في حثها على تحريك البدن إلى الطاعة أو المعصية .
ونجد لسهل بن عبد الله التسترى تحليلا للعلاقة بين الإرادة وبواعثها في إظهار التوفيق الربانى للعبد المؤمن أو الإضلال الذى لا ينافى عدله سبحانه وتعالى ، فيقرر أنه إذا كانت هذه الخواطر عن أواسط الهداية وهى الملك والروح ، كانت تقوى وهدى ورشدا وكانت من خزائن الخير ومفتاح الرحمة قدحت في قلب العبد نورا أدركه الحفظة ، وهم أملاك اليمين فأثبتوها حسنات .
وإن كانت الخواطر عن أواسط الغواة وهم العدو والنفس كانت فجورا وضلالا ، وهى من خزائن الشر ومعالق الأعراض قدحت في القلب ظلمة ونتنا أدرك ذلك الحفظة من أملاك الشمال فكتبوها سيآت .
وكل هذا إلقاء من خالق النفس ومسويها وجبار القلوب ومقلبها حكمة منه وعدلا لمن شاء ، ومنة وفضلا لمن أحب كما قال: وتمت
ــــــــــــــــــــــــ
1-الانفطار / 6: 8 .
2-التين / 4 .
كلمة ربك صدقا وعدلا (1) أى بالهداية صدقا لأوليائه ما وعدهم من ثوابه وبالإضلال عدلا على أعدائه ما أعد لهم من عقابه (2) .