وعلى الوتيرة نفسها قسم أبو طالب المكى بواعث الإرادة من الخواطر إلى ستة أقسام:
1-خاطر النفس وخاطر العدو وهذان لا يعدمهما عموم المؤمنين وهما مذمومان محكوم لهما بالسوء ولا يردان الا بالهوى وضد العلم
2-خاطر الروح وخاطر الملك وهذان لايعدمهما خصوص المؤمنين وهما محمودان لايردان إلا بحق وبمادل عليه العلم .
3-خاطر العقل وهو متوسط بين هذه الأربعة:
ا ــ يصلح للمذمومين فيكون حجة على العبد لما كان من تمييز العقل وتقسيم المعقول ، لأن العبد يدخل في هواه بشهوة جعلت له ، واختيار لايعسر عليه من حيث لايعقل و إجبار .
ب ــ ويصلح أيضا للمحمودين فيكون شاهدا للملك ومؤيدا لخاطر الروح ويثات العبد على حسن النية وصدق المقصد .
ويبن المكى أن خاطر العقل إنما كان مع النفس تارة ومع الملك تارة أخرى حكمه من الله تعالة لصنعه وإتقانا لصنعه ليدخل العبد في الخير ــــــــــــــــــــــــ
1-السابق ص 176 .
والشر بوجود معقول وصحة شهود وتمييز، فيكون عاقبة ذلك من الجزاء والعقاب عائدا له وعليه ، فالله سبحانه وتعالى جعل الإنسان مكانا لجريان أحكامه ومحلا لنفاذ مشيئته في مبانى حكمته .
4-خاطر اليقين وهو روح الإيمان والعمل الذى يحرك الإرادة على الطاعة والاستجابة كمحصلة للخواطر الإيمانية المتقدمة (1) .
لقد بلغ تفصيل الخواطر التى تسبق الإرادة عند أوئل الصوفية حدا يوحى بمدى الفهم الدقيق للقدر وعلاقته بحرية العبد واختياره ، ذلك لأنهم حللوا بواعث الإرادة بدرجة توجب الحذر من كل صغير أو كبير تعن في القلب من هداية وتوفيق أو إضلال وخذلان يُبتلى من خلالها الإنسان ، يقول المكى:
وهذ كله كشف لعلم الله تعالى وإنفاذ لمشيئته وهو الابتلاء بالأسباب فالعدو يصير سببا لقوله تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } (2) .