الصفحة 143 من 295

وخلاصة الأمر أن أغلب المشايخ من الصوفية الأوائل جعلوا موضع الاختيار ما ذكره الله في كتابه من وعده بالجنة ووعيده بالنار ، وأن مجال الاختيار يتمثل في الالتزام بالأحكام التشريعية ممثلة في الأوامر والنواهى التكليفية ، وحتى الذين جعلوا محبة الله في مقابل التضحية بكل شئ فهم وإن أخطأوا في ذلك إلا أنهم لم يجوزوا الخورج عن مجال الأحكام الدينية ودعوا إلى الالتزام بالسنة .

*** المبحث الخامس ***

العلاقة بين المشيئه الإلهية المطلقة والإرادة

الإنسانية الحادثة

يثبت الصوفية الأوائل بوضوح وجلاء طلاقة المشيئة الإلهية كما جاء في قوله تعالى: { قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } (1) إذ يعتبرون ذلك من أهم الأسس في توحيد الربوبية ودعائمه ، ولذا فإننا نجدهم يؤكدون على أنه لا فاعل في الكون إلا الله ولا خالق للعالمين سواه ، فالله سبحانه وتعالى هو خالق الخلق بما يتجدد فيه من آحاد أو يحدث فيه من فناء ، وله سبحانه وتعالى المشيئة المطلقة التى تحكم الكون دون قيود أو شئ يحد من انطلاقها أو مثيل له فيها .

وهو سبحانه وتعالى الموجود الحق وكل ما سواه مستمد وجوده منه وأوائل الصوفية يرون أنه سبحانه وتعالى دليل على وجود غيره من المخلوقات وليس غيره دليلا عليه أو على وجوده ، وإن كانوا لا ينكرون أن مخلوقات الله آيات تشهد لعظمته وقدرته وعلمه ، ولكن المسلم ليس بحاجة إلى المخلوقات لمعرفة ربه وعظمته ولكنهم عرفوا الله

ــــــــــــــــــــــــ

1-آل عمران / 47 .

بتوفيقه لهم وعبادتهم إياه .

قيل لذى النون المصرى: بماذا عرفت ربك ؟

قال: ربى أجل من أن يعرف بشئ ولكن عرفت ربى بربى وعرفت ما دون ربى بربى (1) .

وهم أفردوا الله بالخلق ، والخلق كان معلومة في علم الله في الأزل ثم دون الله علمه في اللوح المحفوظ ثم أظهره بمشيئته إلى الواقع المشهود من خلال قوله: كن فكان ما أراد ، وتم ما سبق به القضاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت