فأخبر أنه إذا أراد شيئا كونه ، كما أنه إذا كون شيئا فقد أمر بتكوينه وأراده بدلالة كونه ، فلما لم يكن الأمر من العاصين علمنا أنه لم يرده إذ لوأراده كان فصار كون الشئ دليلا على إرادته ) (2) .
ثم يذكر بعد ذلك العلة في كون هذا التقسيم فيقول:
( وهذا أصل الابتلاء وإرادة ظهور البلاء ، يأمر الله تعالى بالشئ ويريد كون ضده وقد أراد الأمر به وحسب ، وينهى عن الشئ ويريد كونه ، وقد أراد النهى عنه فقط ) (3) .
ويذكر الترمذى كيف أن الخلق لا يخرجون عن المشيئة لما سئل:
ما تقدير الله ؟
قال: إبراز علمه في عبيده من الغيب بمشيئته ، فقد علم ما يفعل
هذا العبد فأبرز علمه (4) .
ثم يبين أن الحكمة البالغة هى التى برزت يوم المقادير من قبل خلق ــــــــــــــــــــــــ
1-النحل / 40 .
2-السابق حـ1 ص 218 .
3-السابق حـ1 ص 218 .
4-أدب النفس للحكيم الترمذى ص 94 .
السماوات والأرض بخمسين ألف عام ، وإنما كانت حكمة بالغة لأنها بلغت علم المقادير ، ومنها جرت إلى العباد وإلى الحكمة الظاهرة التى أدتها الرسل إلى الأمم ، فإن الله سبحانه وتعالى شرع لكل رسول شريعة الأمر والنهى من الحكمة البالغة ، فمن عرف ذلك فقد عرف الشرائع .
وإنما وضعت الشرائع ابتلاء للعباد ، واستخراجا لما يثبت لهم في سابق علمه لأن المقادير وقت الابتلاء والعبودية ، فالخلق في المشيئة والمقادير مأخوذون بالعبودية للزوم الحجة ، فمنهم من وفى ومنهم من أبق ولم ينقض العهد ، ومنهم من أبق ونقض العهد .
فإذا انتهى وقت الابتلاء والتمحيص عادت الأمور إلى ما كانت عليه في البدء ، فهى مقادير ابتلاء وهى في نفس الوقت مقادير تقسيم الحظوظ على العباد .
وتشمل هذه الحظوظ ما يتعلق بحياة العبد من إيمان وسعى ورزق وأجل وغير ذلك مما وضع في جبله كل عبد ونشأته ، ولابد أن يظهر ذلك في واقع الحياة الدنيا وأن يقوده إما إلى الجنة وإما إلى النار .