فدور الاستطاعة في فعلها ليس في إحداثه من عدم ، أى خلقه وإيجاده وإنما هو في اكتساب الفعل الذى يخلقه الله عز وجل للعبد حالة اختياره وعزمه وتصميمه عليه ، من أجل ذلك أصر الأشعرى على أن تكون الاستطاعة مع الفعل للفعل لا تسبق الفعل ولا تبقى بعده (1) .
إن دور المسئولية الإنسانية عند أوائل الصوفية يكمن في امتثال الإنسان الطاعة في الوقت الذى كان فيه مستطيعا لاكتساب المعصية والعكس كذلك ، فالاستطاعة عندهم مجردة وصالحة للضدين من الأفعال خيرا كان أو شرا ، أما الأشعرى فالاستطاعة عنده يخلقها الله لا تصلح إلا لفعل واحد ، وذلك عند إرادة العبد للخير أو الشر فهى صالحة للخير فقط أو الشر فقط وهذا فيه شبه من مذهب الجبرية .
ويذكر الكلاباذى في اعتقاد أوائل الصوفية ، أنهم مختارون لاكتسابهم مريدون له وليسوا بمحمولين عليه ولا مجبرين ولا مستكرهين له (2) .
ولكن هذا الاختيار ليس على التفويض كليا أزليا من الله عز وجل ــــــــــــــــــــــــ
1-اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ص 72 .
2-التعرف السابق ص 64 .
للإنسان يفعل به ما يشاء ، بل هو أمر يخلقه الله عز وجل في الإنسان إبان الفعل لينتفى به الإكراه والجبر والضرورة عن الإرادة لحظة الاختيار .
يقول الكلاباذى: ( ومعنى قولنا مختارون: أن الله تعالى خلق لنا اختيارا فانتفى الإكراه فينا وليس ذلك على التفويض ) (1) .
ثم يورد قول سهل بن عبد الله التسترى: ( إن الله لم يقو الأبرار بالجبر إنما قواهم باليقين ) (2) .
ومن ثم فإن الله لم يجبر عبدا على الاختيار ولو كان إلى الطاعة فهو سبحانه يمد المؤمن بعد اختياره للإيمان والطاعة وبعد رفضه للكفر والمعصية يمده بالاستطاعة الصالحة لما يريد ويعينه على ذلك .
كذلك يفعل مع الكافر حيث يمده ويخلق له الأفعال صلحة للكفر والإيمان كما قال سبحانه وتعالى: