الصفحة 168 من 295

مما لا شك فيه أن مبحث العلية من المباحث الرئيسية في الفكر الفلسفى وفى الفكر القائم على الرسالات السماوية جميعا ، ولذلك فقد أدلى مفكرو الإسلام بدلوهم في هذا المبحث الهام والذى يمثل أساسا متينا في اعتقاد كل مسلم ، ومما يجدر ذكره أن الصوفية الأوائل لم يبحثوا في جلساتهم أو مأثوراتهم وأقوالهم وكتبهم موضوعا لمجرد المعرفة النظرية البحتة ، بل المعرفة عندهم مبعثها دائما العمل والسلوك ، ومؤدية دائما إلى عمل وسلوك ولذلك نجد أن النتاج الصوفى حيال الفكر الفلسفى لا يكون مباحث ونظريات صورية بحتة لكل موضوع بحيث يكون كل واحد مستقلا عن الآخر ، بل هى جميعا حصيلة موقف وجدانى نشأ عنده من خلال الترقى في سلم الإيمان بالله .

ولذلك فإننا نجد مبحث العلية عندهم متجليا ظاهرا في فهمهم للتوكل ، حيث يمكننا تلمس مفهومهم للأسباب الطبيعية ومدى فاعليتها وعلاقتها بالإنسان من ناحية أو بالفاعلية الإلهية والربوبية من ناحية أخرى .

وإذا كان متكلمو الإسلام قد وقفوا من مبحث العلية مواقف متباينة فمنهم من نادى بالوجوب الضرورى للمعلول عن العلة واقترانهما في الوجود والعدم بالضرورة ، فأثبتوا استطاعة ذاتية للعلة ينتج بها المعلول ومنهم من قال بعكس ذلك فأنكر أن تكون العلاقة بين العلة والمعلول قائمة على هذا الوجوب الضرورى والاقتران الحتمى بينهما وجودا وعدما ، حتى لا يكون هناك استقلال للطبيعة في فعلها عن الفاعلية الإلهية فتتعدد الفاعليات في الوجود وتكون قدرة الله محكومة بالعلل والمعلولات (1) .

إذا كان هذا هو الشأن فإن الصوفية الأوائل التزموا النهج الإسلامى في هذه القضية ، فقالوا أولا بوجود علل ومعلولات وأسباب ومسببات تؤدى فعلها في الكون والوجود بسبب ما أودع الله فيها من قوى وتأثير لا ينبع من ذاتها بل بإرادة الله فيها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت