يقول المكى معقبا: ( فكما ليس في الثلاثة جاعل ومظهر إلا الواحد فكذلك ليس في الرابعة من رازق إلا هو ) (2) .
ثم يلخص الأمر فيقول: ( فظهرت حكمة الله في الأشياء لعود الأحكام على المظهرين لها وبطنت قدرته في الأشياء لرجوع الأمر كله إليه ، وهذه شهادة التوحيد للعارف المتوكل وهو مقام العلماء الربانيين ) (3) .
وهذا الفكر الذى يشرح من خلاله أوائل الصوفية مفهومهم للتوكل وغيره استطاعوا بحق أن يضعوا به الحل المناسب لتفسير العلاقة بين فعل الله وكسب العبد إلا أننا نواجه سؤالا ضروريا وهاما وهو: ما علاقة السبب الطبيعى أو غير الطبيعى الممثل في وجود الملائكة أو الأسباب الغيبية بالربوبية والفاعلية الإلهية ؟
وذلك لأن النظرية الصوفية للكسبب عند الأوائل خاصة بتفسير ــــــــــــــــــــــــ
1-الروم / 40 .
2-قوت القلوب جـ2 ص10 .
3-السابق حـ 2 ص 10 .
العلاقة بين الفاعلية الإلهية والفاعلية الإنسانية بهدف إثبات المسؤلية الخلقية واستحقاق الجزاء دون خرق لمبدا إفراد الله عز وجل بالخلق .
ولكن الأمر يختلف بالنسبة للفاعلية الطبيعية والأسباب غير الإنسانية بصفة عامة وهو ما يسمية أوائل الصوفية بصفة عامة والمكى بصفة خاصة بالأواسط (1) .
ويعنى بها الفاعلية الوسط بين فعل الله عز وجل وبين المفعول أو الحادث الأخير في الفعل ، وهى عند المكى نوعان:
الأول: الأسباب الطبيعية التي تحدث على أثر حدوثها الظواهر الطبيعية والحيوية .
الثانى: أسباب غيبية غير مرئية ويعنون بها الملائكة .
لقد نسب أوائل الصوفية للإنسان دورا هاما في الفعل حددوه بالكسب ، ولكنهم بالنسبة للأسباب الطبيعية والأحوال الغيبية رفضوا أن ينسبوا لها أى دور مستقل على الإطلاق ، وفهموا هذه الأواسط على أنها مجرد حجاب تحتجب وتستتر به الفاعلية الإلهية من ناحية وتظهر من خلاله الربوبية فيعرفونها من ناحية أخرى .