الصفحة 191 من 295

ويعتبر التسترى في هذه النقطة أدق من غيره ، لأن الخلق عنده لا يحجب الخالق وإنما الحجاب من قبل الخلق لا من قبل الخالق ، وذلك لأن ميدان الربوبية في نظرة أوائل الصوفية هو الميدان الذى تتحقق فيه العلاقة بين الله وخلقه من خلال صفاته سبحانه .

يقول التسترى عن صفة الفعل: إنها الصفة التى بها احتجب وبها تسمى الله فإذا أبصر الإنسان أشعره الله بمباشرة صفاته وخفى ألطافه آثاراها في خلقه وهذا هو استشعار العبودية التى تثمر خوف المقام استمدادا من قوله الله تعالى: { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى } (1) .

فالوسائط التى هى أثار الصفات الإلهية لا ينظر إليها المؤمن على أنها ضروريات عقليه تدريجية لفهم طبيعة الفعل الإلهى ، ولكن ينظر إليها على أنها سلم يصعد عبرها الإنسان روحيا حتى يستقر قلبه نهائيا مع ربه (2) .

ومن هنا نشأ هذا التنوع في موقف الصوفية في وجهين يظهران من ــــــــــــــــــــــــ

1-النازعات / 40 .

2-من التراث الصوفى ص215 .

هذين الدعاءين المختلفين لشخص واحد وهو السرى السقطى (1) .

أحدهما: ينادى الصوفى فيه ربه اللهم لا تعذبنا بذل الحجاب (2)

والآخر: اللهم الطف بنا واسترنا بلطف الحجاب (3) .

أما الأول فيقصد أن ينعم بشهود الربوبية والفاعلية الإلهية ، وأما الآخر فيسأل الله التخفيف حتى يستمر في حياته ليرعى شئون نفسه لأنه لو ظل مشاهدا له وراء كل شىء يسبح الله حقيقة استحال عليه أن يفعل الضروريات أو يفكر في غذائه وصلاح معيشته .

وفى ذلك توجيه نبوى للصحابى أبى ربعى حنظلة بن الربيع كاتب الوحى في قوله:

( والذى نفسى بيده لو تدومون على ما تكونون عندى وفى الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفى طرقكم ولكن ياحنطلة ساعة ــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت